إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ملفات | مذكرات | حرب الصحراء في مذكرات روميل
المصنفة ايضاً في: مذكرات, من التاريخ

حرب الصحراء في مذكرات روميل

آخر تحديث:
الكاتب:
عدد المشاهدات: 5933
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

لقد أحدث روميل تأثيراً كبيراً في العالم بسيفه ، وزاد من عمق هذا التأثير ببلاغة قلمه ، لأن أي قائد آخر في التاريخ لم يستطع كتابة قصة حملاته بطريقة تضاهي في حيويتها وقيمتها كتابات روميل ، والتي جمعت أغلبها في المجلد واحد بعد أن أمكن إخراجها من مخابئها المختلفة ، بهذه المقدمة للكاتب والباحث ب.هـ . ليدل هارت جاءت مذكرات روميل ثعلب الصحراء والتي صدرت حديثا بالعربية عن دار نشر الدولية للنشر والتوزيع ، وقام بالترجمة يوسف عبد الله ، هذا وتعتبر المذكرات تسجيلاً دقيقاً لتفاصيل الحرب العالمية الثانية والتي تردد فيها اسم روميل كثيراً ، ولكنها لم تبدأ معه كعادة المذكرات منذ الطفولة أو تطرقت إلى حياته الشخصية ، ويضيف هارت أن روميل كان أكثر من أسطورة بالنسبة للبريطانيين ، فأدى إعجابهم الشديد بقيادته البارعة أن تحول هذا الإعجاب إلى شبه محبة لشخصه ، ويرجع ذلك إلى استخدامه للسرعة والمفاجأة في عملياته ، وسلوكه مسلك الفارس نحو الكثيرين من أسرى الحرب الذين قابلهم شخصياً ، ولذلك أصبح بطلاً في نظر جنود الجيش الثامن البريطاني الذين كانوا يقاتلون ضده .


اعتداءات الجنود الإيطاليين على نساء ليبيا كادت تهلك الحلفاء

يبدأ الجزء الثاني من مذكرات روميل " ثعلب الصحراء باستيلائه علي شمال أفريقيا والمعاناة التي لاقاها في مهمته الأخيرة قبل هزيمة هتلر وانتحاره ، ومن قبلها إجباره علي تجرع السم بعد اكتشاف هتلر لاشتراك روميل في مؤامرة ضده ، فخيره بين أمرين إما أن يتناول السم في الحال لينهي حياته مقابل عدم التشهير به ومحاكمته واعتقال أسرته وإما المحاكمة ، فاختار روميل الرحيل من الحياة بهدوء محافظا علي سمعته وتاريخه ومستقبل عائلته ، هذا وقد صدرت المذكرات عن دار الدولية للنشر والتوزيع وقام بالترجمة يوسف عبد الله ، وفيها يكمل روميل :

وكنت منذ البداية قد عقدت العزم علي الحصول علي أكبر قدر ممكن من الحرية الاستراتيجية والتكتيكية ، ولذلك قررت ألا أترك هذه الفرص الذهبية تمر بدون أن أستغلها ، ولذلك بينت له وجهة نظري بصراحة وبدون محاورة ونتج عنها أن المناقشة ازدادت حدة ، وكان الجنرال "جاريبولدي" يريد الحصول على أوامر من روما قبل أن ينصرف ، وبهذه الطريقة نضيع وقتاً ثميناً بدون أن نعمل شيئاً ، لذلك قررت عدم قبول مثل هذا الموقف وصرحت له بأنني سأستمر في العمل الذي أجده لازماً وتحت أي ظروف ، وقررت التصرف بنفسي بالأسلوب الذي اتبعه حتى هذا الحين . وفي هذه اللحظة وصلتني إشارة من القيادة العليا الألماني تعطيني الحرية الكاملة في اتخاذ القرارات ، وأدي هذا إلي الوصول إلي النقطة الحاسمة وبذلك انتهت المناقشة في الاتجاه الذي أردته لها .

وأصدرت تعليماتي للجنرال فون بريتويتز قائد الفرقة 15 بانزر " بعد وصول جزء من هذه الفرقة إلي أفريقيا " بتولي قيادة قوة المطاردة ومتابعة الإنجليز إلي "طبرق" ووضعت تحت قيادته الكتيبة الثالثة استطلاع والكتيبة 8 مدافع ماكينة والكتيبة 605 المضادة للدبابات ، وبالطبع لم تكن قد وصلت كل هذه الوحدات .

وكانت خطتي بعد ذلك تقضي بالاستيلاء علي التل ورأس المدور مستخدماً في ذلك عناصر من فرقتي أريتي وترينتو وعدد من السرية الألمانية ، وبمساندة قوية من المدفعية . وفي 16 أبريل سعت " 1700 " دفعت بكتيبة مدرعة من فرقة أريتي " 6 دبابات متوسطة + 12 دبابة خفيفة " لمهاجمة التبة ويترجلوا ، ليستطيعوا الأرض أمامهم بمناظيرهم الميدانية اندفعوا إلي أعلي نقطة في التبة 187 وبدأوا في التوقف ، ولم يمر أكثر من دقائق حتى فتحت المدفعية البريطانية نيرانها علي التبة ، وعليه انسحب الإيطاليون بأقصى سرعتهم ثم توقفوا في الوادي وساد بينهم الفوضى والارتباك ، فحاولت إقناع قائد الدبابات الإيطالي بالتقدم إلي رأس المدور في تشكيل مفتوح ولكنني لم أنجح .

وأصيب العريف "إيجرت" سائق عربتي المدرعة وأصيبت العربة بـ 25 طلقة من مدافع الطائرات ، وقتل الجندي "كانثاك "هو الآخر ، وأصيب سائق عربتي " الماموث " بطلقة اخترقت جبهته ، وتركت برندت مع السيارات المضروبة وقدت " الماموث " بنفسي وكان الطريق في حالة يرثى لها ، وفي هذه الليلة قررت العودة إلي مقر قيادتي فتحولت جنوباً قبل أن أصل إلي طبرق لأتخطاها عبر الصحراء .

وأثناء عودتنا وعلي مسافة حوالي عشر أميال غرب البردية تعرضنا لهجوم الطائرات البريطانية مرتين ، وكانت تضرب الطريق من ارتفاع منخفض وقتل " إيجرات " سائق عربتي المدرعة ، وأصيبت العربة ب " 25 " طلقة من مدافع الطائرات وقتل عدائي الجندي "كانثاك" هو الآخر، وأصيب سائق عربتي " الماموث " بطلقة اخترقت جبهته ، وتركت "برندت" مع السيارات المضروبة وقدت بنفسي ، وكان الطريق في حالة يرثي لها ، وفي هذه الليلة قررت العودة إلي مقر قيادتي فتحولت جنوبا قبل أن أصل إلي طبرق لأتخطاها عبر الصحراء .

وبعد هزيمة "جرازياني" ضاعت هيبة إيطاليا في المنطقة ، وبدأ عدد من القبائل العربية في التمرد ، وساعد علي انتشار هذه الروح ، الأسلوب الوقح الذي كان يتبعه أفراد الجيش الإيطالي مع نساء العرب ، وهو شيء ينفر منه الرجل العربي للغاية ، فاضطررت إلي إرسال تقرير عاجل للقيادة الإيطالية العليا أطالب فيه معاملة العرب بالاحترام اللازم حتى لا نتعرض لثورة بالقرب من مؤخرتنا .

ويكمل روميل : وفي هذا الحين حدث أن ضباط وجنود فرقة "ترينتو" عاملوا العرب بطريقة همجية فأدي هذا أن قتل العرب عددا من الجنود الإيطاليين أثناء إبعادهم بالقوة عن قراهم ، وكان يتبع ذلك علي الدوام أن يطالب المسئولون بعمليات تأديب بعد مثل هذه الحوادث ، ولو لمجرد إثبات الوجود ، ولكن مثل هذا التصرف غير مقبول ولا عملي ، والإجراء السليم في مثل هذا الموقف تجاهل الحوادث الفردية ما لم يتم العثور علي الفاعل الأصلي بالذات ، وكنت قلقا للغابة بسبب الموقف الاستراتيجي الصعب الناجم عن واجبنا المزدوج في المحافظة علي حصار طبرق ، وفي نفس الوقت الاستعداد لمواجهة الهجوم البريطاني الرئيسي الذي سيتم من قواعدهم في مصر ، إلا أننا كنا علي استعداد لبذل أي مجهود لطرد الإنجليز من طبرق ، وكنا نأمل بعد الاستيلاء علي كريت أن يتمكن السلاح الجوي الألماني من تهديد خطوط الموصلات البحرية الإنجليزية مع طبرق بحيث يضطروا إلي سحب حاميتهم منها ، ولكن التشكيلات الجوية التي سحبت من العمليات في اليونان وكريت لم ترسل إلي شمال أفريقيا، وطالبت بإرسال غواصات ألمانية وزوارق طوربيد لتعمل كسلاح إضافي ضد المواصلات البحرية الإنجليزية إلي طبرق ، لأن البحرية الإيطالية لم تستطع تحقيق هذا الغرض ، فغواصاتهم "التي كانت تعد من أكبر الأساطيل عددا في العالم قبل الحرب مباشرة " كانت مليئة بالعيوب الفنية لدرجة لا يمكن استخدامها في القتال في البحر الأبيض المتوسط ، أما زوارق الطربيد الإيطالية " فلم تكن في حالة تسمح لها بالخروج للعمليات .

ويستطرد روميل في سرد الأحداث قائلاً : وفجأة وصل الجنرال جاوزي قادما من القيادة العليا للقوات المسلحة الألمانية ، ومعه هيئة كبيرة من الأركانات حرب ، وذلك لاستطلاع هل من الممكن استخدام قوات أكبر في الميدان الأفريقي للهجوم علي مصر ؟ وعمل التحضيرات اللازمة لاستقبالها ، وقد تلقي الجنرال جاوزي أوامر صريحة بعدم العمل تحت قيادتي ، ولكن عندما قلت له بلهجة لا تقبل الجدل بأن قيادة كل القوات في أفريقيا محصورة في شخصي فقط ، ونتج عن مؤتمرات جاوزي مع السلطات الإيطالية أن خرج بفكرة ملخصها أنه من الصعب إقناعهم بقبول إرسال قوات ألمانية أكبر إلي شمال أفريقيا لأنهم يخشون القوات الألمانية عليهم في هذا المسرح فتنتزع منهم امتيازانهم .

واستمرت معركة السلوم ثلاث أيام وانتهت بانتصار كامل للجانب الذي التزم الدفاع ، وبالرغم من ذلك كان من الممكن تكبيد العدو خسارة أكبر بكثير مما تكبده بالفعل ، وقد خسر البريطانيون في النهاية أكثر من 220 دبابة كما أن خسارتهم في الأفراد كانت كبيرة للغاية ، أما قواتنا فقد خسرت في النهاية 25 دبابة " وهي الخسارة الكلية " .

وعندما انطلق الهجوم الألماني شمال سيدي عمر لم يتمكن من نقل كل قواته من كابتزو إلي النقطة الحاسمة لمواجهة هذا الهجوم ، وذلك بسبب بطء دباباته الثقيلة ، ولم يكن أمامه سوي الانسحاب بسرعة ، وقد انسحب بالفعل بأقل خسائر ممكنة ، وقد ساهمت الحاميات التي تدافع عن النقط القوية في السلوم بنصيب كبير من انتصاراتنا ، فبعضها نجح في صد كل هجمات الأعداء بينما قاتل البعض حتى آخر طلقة وآخر رجل . وأحدثت هذه المعركة تأثيراً ضخماً في قياداتنا العليا ، وقد أخطرني الجنرال رواتا " الذي حضر إلي أفريقيا " أن القيادة العليا الإيطالية أدركت ضرورة تدعيم قوات المحور في شمال أفريقيا بدرجة كبيرة ، وكان المفروض زيادة العناصر الألمانية إلي أربع فرق ميكانيكية ، والإيطالية إلي فليق مدرع " يتكون من ثلاث فرق " بالإضافة إلي فرقتين أو ثلاثة محملة ، ولكن لسوء الحظ لم يدم هذا الحماس لوقت طويل . ولو وصلت هذه النجدات إلي أفريقيا في خريف عام 1941 مع ضمان إمدادها وتمويلها ، لاستطعنا صد هجوم الإنجليز في الشتاء في برقة ، وكنا سنصبح بعد ذلك علي درجة من القوة تكفي لأن نتمكن من تحطيم الإنجليز في مصر في ربيع عام 1942 ، وبعدها نتقدم إلي العراق ونعزل بذلك الروس عن البصرة ، وكان هذا سيمثل ضربة استراتيجية قاصمة لخطط روسيا وإنجلترا معاً .

ويعترف روميل أنه لم يستطع المخاطرة بالاستمرار في المطاردة إلي المخيلي لأن خطوط مواصلاته كانت معرضة للقطع من منطقة بني غازي التي كانت لا تزال في أيدي العدو ، وبناء عليه ففي 28 يناير قام بهجوم مفاجئ علي بني غازي نفسها ، وقد تم العزل أولاً من الشمال ثم من الجنوب ، وقد تم الاستيلاء عليه يوم 29 يناير واستخدمنا الكميات الكبيرة من العربات والأسلحة والعتاد التي سقطت في أيدينا في تسليح وتحميل عدة وحدات . وبعد هذا النصر قرر روميل الشروع في ضربة بعيدة المدى في اتجاه الشرق بدفع مجموعتي قتال مختلطة " ولم تكون علي درجة كبيرة من القوة " للهجوم بالمواجهة في برقة ، وقد أعادت المجموعتان احتلال هذه المنطقة الشاسعة في يوم 6 فبراير " أي باستثناء منطقة مارومايكا في الشرق " ، وفي خلال هذا الوقت كان فليق أفريقيا والفليق الميكانيكي الإيطالي يستريحان بدون أي واجبات حول "مسوس" و"أجدابية" ولو أننا استطعنا إلقاء هذين التشكيلين في هجوم في نفس الوقت عبر "تجندر" و"المخيلي" لأمكننا في الغالب التغلب علي العدو وتدمير الجزء الأكبر من وقته .

ويروي روميل ذكرياته حول معركة طبرق الثانية فيقول :

كانت طبرق حصناً من أمنع الحصون في شمال أفريقيا ، وفي عام 1941 حين كانت تدافع عنها قوات تميزت بالمهارة فإنها سببت لنا مصاعب جمة ، فقد انهارت هجماتنا الكثيرة أمام دفعاتها ، ويمكن القول بدون مبالغة أن النطاق الخارجي لهذه الدفاعات كان غارقاً في الدماء ، وأحياناً كانت المعركة تدور حول ياردة مربعة واحدة ، ولم نكن غرباء عن طبرق ، وقررت في هذه المرة مهاجمة الحصن واقتحامه تبعاً للخطة التي كنت قد انتهيت إليها قبل ذلك في عام 1941 ، والتي عرقلها هجوم كننجهام ، وتبعاً لهذه اللحظة كانت قواتنا ستقوم بهجوم خداعي في الجنوب الغربي لإخفاء نوايانا الحقيقية وتثبيت الحامية عند هذه النقطة ، وكانت التشكيلات التي ستقوم بالهجوم الرئيسي ستصل إلي مسرح الأحداث فجأة وبدون أي مقدمات ، ولهذا الغرض قررت التحرك حول طبرق والاتجاه إلي الشرق بغرض إعطاء العدو فكرة أننا سنعاود حصار القلعة كما حدث في عام 1941 ، ثم بعد ذلك أتحول عائداً فجأة نحو الجبهة الجنوبية الشرقية للحصن وأستعد للهجوم أثناء الليل وبعد تمهيد عنيف من الطائرات المنقضة والمدفعية ننطلق في هجومنا في أول ضوء ونجتاح العدو المذهول .

استمر الجيش في المطاردة إلي مصر ، حيث يقول روميل :

لقد بذلنا آخر ما لدينا من قوة في حصولنا علي النصر في طبرق . لأن الأسابيع التي تم فيها القتال ضد العدو المتفوق عدداً وتسليحاً تركت أثارها علي قواتي ، بالرغم من كل هذا فقد أمكننا أن نعد العدة لهجوم آخر ، وذلك للغنائم الضخمة التي سقطت في أيدينا من ذخيرة ووقود وأغذية وعتاد حربي بكل أنواعه ، أثناء سير اقترابنا عبر الحدود المصرية لم تحدث أي أخطاء ، وبالرغم من ضغط الأسابيع الماضية فإن القوات كانت في حالة معنوية رائعة ، وكانت روح جيش البانزر المعنوية عالية للغاية ، وقد بدأت قواتي التحرك شرقاً في يوم 22 يونية وقد عبرت بنفسي الحدود في يوم23 يونية خلف الفرقة 90 الخفيفة التي اندفعت مسافة طويلة للأمام .

لقد انتصرنا في معركة مرسي مطروح ، وأصبحت قواتنا القائدة لا تبعد عن الإسكندرية سوي 125 ميلاً وستدور بضعة معارك أخري قبل أن نصل إلي غرضنا ، ولكن أظن أننا اجتزنا المرحلة الصعبة وأنا بخير ، وبعض العمليات تتطلب مجهوداً شاقاً من الفرد لدرجة إنهاكه جسمانياً ، ولكن هناك فترات أكثر هدوءاً يستطيع فيها أن يسترد قواه ، وقد وصلنا إلي مسافة 300 ميل شرقي طبرق ، والطرق البريطانية وخطوطهم الحديدية في حالة ممتازة .

وبذا أصبح في أيدينا آخر ميناء محصن في الصحراء الغربية ، وقد تكبد البريطانيون مرة أخري خسائر فادحة ، ومع هذا نجحوا في سحب أغلب مشاتهم للخلف نحو مواقعهم في "العلمين" ، حيث كان العمل في تجهيز المواقع الدفاعية يسير بأقصي سرعة منذ زمن طويل ، وكان الخط محتلاً بالفعل بعدد من الوحدات الجديدة وعليه فبعد سقوط مرسي مطروح مباشرة دفعت قواتي علي الفور مرة أخري ، للوصول لخط العلمين واجتياحه قبل استكمال إعداده ، وقبل أن يستطيع بقايا الجيش الثامن المنسحبة تنظيم الدفاع هناك ، وهذا الخطر كان آخر مانع يستطيع البريطانيون إيقاف تقدمنا عنده ، وبمجرد عبوره كان طريقنا سيصبح ممهداً .

وفي صباح 30 يونية وصلت بالفعل العناصر الأمامية من الفرقة 15 بانزر إلي نقطة بعد الضبعة بكثير . وسقطت غنائم ضخمة في أيدي فليق أفريقيا ومن ضمنها بطارية بريطانية من عيار 150 مم ، وقمنا باستخدامها علي الفور ضد أعدائنا ، ولسوء الحظ أن الإيطاليين تخلفوا مرة أخري ولم يصلوا إلي المنطقة الواقعة غرب العلمين إلا في حوالي منتصف الليل .

وأدت هذه السلسة من الاشتباكات إلي الوصول بقوة جيشي إلي حد الإنهاك ونظراً لأن احتياطيناً من العتاد بما في ذلك الغنائم التي سقطت في أيدينا ، قد بدأت في النفاذ ، لن يحافظ علي قدرتنا علي الاستمرار في الهجوم سوي روح الرجال المعنوية الرائعة ، ولم يصلنا أي إمداد وبالإضافة إلي ذلك فإن قصر نظر السلطات الإدارية وعدم تقديرها لحرج الموقف أدي بها أن أرسلت لنا خلال شهر يونية ثلاثة آلاف طن من الإمدادات بدلاً من احتياجاتنا الفعلية ، وهي ستون ألفا من الأطنان وهو رقم لم يصل إلينا في الواقع أبداً ، ولكن بعد سقوط طبرق ساعدتنا الغنائم علي اجتياز الأزمة الناشئة في موقفنا الإداري ، ولكن كان يجب أن يصلنا إمدادات من مصادرنا تكفي لاحتياجاتنا .

وركزت محاولاتي كلها في العلمين للخروج من مجال الحرب الجامدة الثابتة " التي يتفوق فيها البريطانيون والتي تدرب عليها مشاتهم وأطقم مدرعاتهم " للوصول بعد ذلك إلي الصحراء المفتوحة أمام الإسكندرية حتى يمكنني استغلال تفوقنا التكتيكي في حرب الصحراء المفتوحة ، ولكني لم أنجح في بلوغ غرضي هذا ، فقد أوقف البريطانيون تشكيلاتي .



روميل . . كره النازية وعشق هتلر وتآمر ضده فقتله بالسم

إن هذه المذكرات تليق حقا برجل عسكري برز اسمه كأحد صناع الحرب العالمية الثانية ، واتخذت المذكرات الطبيعية العسكرية الجافة التي تناسب طبيعة كاتبها ، ولكنها ليست مذكرات بالمعني المتعارف عليه ، فهي تجميع لمجموعة خطابات هتلر إلى زوجته من الشرق حيث كان يحارب في الصحراء العربية ، وقد كتب لها المقدمة ابنه مانفريد روميل بعدما استطاع بكثير من الجهد جمع أكبر عدد ممكن من وثائق وخطابات وخطط والده التي استولى عليها الحلفاء أثناء الحرب ، وكذلك ما صادرته الحكومة الألمانية ، وما ستطاعت عائلة روميل وأصدقائه تهريبه ، وقد كتب المقدمة لهذه المذكرات الكاتب الصحفي " ب . ليدل هارت " يقول فيها :

إروين روميل لا يخفي هذا الاسم علي مسعري الحروب وأصحاب الخطط العسكرية الحربية . لكل أمة خالد ، وقد كان روميل خالد ألمانيا . لكل أمة داهية ، وقد كان فعلاً داهية ألمانيا العسكري . علي الرغم من أنه عقلية فذة في المناورات العسكرية ، إلا أنه لم يأخذ حقه الإعلامي في هذا العصر نظراً لولاءه للنازية بقيادة " أدولف هتلر " ، في حين أنه من المعروف أن روميل لم يكن يؤمن بالنازية ، ولكن كانت طاعته العمياء لهتلر إنما هي حباً وتقديراً لألمانيا بغض النظر عن قيادتها . ولد روميل " ثعلب الصحراء " في ألمانيا في الخامس عشر من نوفمبر عام 1891 . أراد أن يدخل المجال العسكري عام 1910 ، حارب في الجناح الغربي خلال الحرب العالمية الأولي وقد وصل إلي رتبة ملازم ، وقد نال وسام الصليب الحديدي عام 1915 ، بقي في المجال العسكري بعد الحرب العالمية الأولي ، ولكن في مجال التدريس العسكري ، قام بتأليف عدة كتب تناقش خطط عسكرية حربية في قمة الدهاء ، فنالت إعجاب أدولف هتلر الذي أمر في نهاية الأمر تعيين روميل لقيادة الجيش في النمسا وتشيكوسلوفاكيا . كان جيشه من أسرع الجيوش حركة علي مر التاريخ ، بفضل حنكته ودهاءه تمكن من اجتياح فرنسا عام 1940 ، وبالتالي تم تنصيبه برتبة جنرال ، في عام 1944 حذر روميل هتلر بأن ألمانيا في خطر ويجب عليها إنهاء الحرب وعدم التوسع ، ولكن هتلر لم يعر له أولغيره أي اهتمام ، أحس روميل بنهاية ألمانيا وهو يقاتل في شمال أفريقيا فانهارت قواه شيئاً فشيئاً ، وبدأ يحارب تحت قاعدة " أحلاهما مر " وهو علي يقين بأنه إن انتصر في المعركة فلن تنتصر ألمانيا في الحرب . وفي خريف عام 1944 اكتشف هتلر أن روميل كان يتآمر ضده ، فأرسل له جنرالين يخيرانه إما الانتحار وضمان سلامة أسرته في المقابل ، أو المحاكمة الصارمة وإعلان الخيانة العظمي، فاختار الجنرال أن يتجرع السم وأن يضمن سلامة أسرته في 14 أكتوبر من نفس العام .

ويضيف هارت لقد أحدث روميل تأثيراً كبيراً في العام بسيفه ، وزاد من عمق هذا التأثير ببلاغة قلمه ، لأن أي قائد آخر في التاريخ لم يستطع كتابة حملاته بطريقة تضاهي في حيويتها وقيمتها كتابات روميل ، والتي جمعت أغلبها في هذا المجلد ، بعد أن أمكن إخراجها من مخابئها المختلفة .

ويكمل هارت : " في يوم 10 مايو عام 1940 شن هتلر هجومه علي الجبهة الغربية ، وكان هذا الهجوم متوقعاً منذ زمن طويل ، وقد حقق نصراً خاطفاً غير مجري التاريخ ، وأثر تأثيراً عميقاً في مستقبل كل الشعوب . وفي اليوم 13 مايو عام 1940 بدأت المرحلة الحاسمة من هذه الدراما التي هزت العالم ، وذلك عندما عبر فليق جوديريان المدرع نهر الموز بالقرب من سيدان ، وعبرته أيضاً فرقة روميل المدرعة بالقرب من دينانت ، وأدي هذا إلي حدوث ثغرات ضيقة تحولت بعد ذلك إلي فجوة واسعة انطلقت من خلالها الدبابات الألمانية حتى وصلت إلي ساحل البحر في خلال أسبوع ، وبذلك عزلت الجيوش المتحالفة الموجودة في بلجيكا ، وأدت هذه الكارثة إلي هذه سقوط فرنسا وعزل بريطانيا . وبالرغم من نجاح بريطانيا في الصمود خلف مانعها المائي ، إلا أن النجدة لم تصلها إلا بعد أن تحولت الحرب إلي حرب عالمية ، وبذا يكون هذا الانهيار " الذي حدث في منتصف مايو 1940 " كان ثمنه ضخماً للغاية لأن أثره ما يزال موجوداً حتى يومنا هذا . وبعد وقوع الكارثة صار النظر إلي هذا الانهيار كما لو لم يكن حمن الممكن تفاديه ، وأن هجوم هتلر كان لا يمكن مقاومته ، ولكن الظواهر تختلف تماماً عن الواقع " وقد ظهر ذلك من الحقائق التي أمكن الحصول عليها بعد نهاية الحرب " . وقد كانوا يعتقدون أن الجيوش الألمانية متفوقة بطريقة ساحقة علي الحلفاء من الناحية العددية ، ولكن الحقيقة أن الألمان لم يستطيعوا حشد القوة مساوية لأعدائهم ، لأن الهجوم بدأ بحوالي 136 فرقة ، وكان في مواجهتها ما يوازي 156 فرقة للفرنسيين والبريطانيين والبلجيكيين والهولنديين ، ولم تتمتع ألمانيا بالتفوق الفعلي إلا في الطيران " عدداً ونوعاً " ، أما دباباتهم فقد كانت أقل بكثير مما كان متوفراً لخصومهم ، إذ كان في حوزتهم أقل من 2800 دبابة مقابل 4000 دبابة للأعداء ، علاوة علي أنها كانت عموماً ضعيفة من ناحية التدريع والتسليح ، " بالرغم من تفوقها البسيط في السرعة " وامتاز الألمان أساساً بالهجوم الجوي والسرعة التي استخدموا بها دباباتهم ، والأسلوب الكاسح الذي استطاعوا ابتكاره ، فقد اتبع قادة تشكيلاتهم المدرعة طريقة حاسمة وفعالة باستخدامهم للنظريات الجديدة التي وضعت قبل ذلك في بريطانيا ، ولكن لم يتفهمها قادة الجيوش البريطانية والفرنسية .

أما مذكرات روميل أو ماجاء في خطاباته فنعرض منها علي لسانه رحتله الشاقة في الحرب العالمية فيقول في يوم " 16 مايو سنة 1940 " صدرت الأوامر إلي رئاسة الفليق بأن أظل في رئاسة فرقتي وكان السبب مجهولاً ، وفي حوالي سعت "0930 " صدرت إلي أوامر بالتحرك ، وبعد وصولي إلي مقر قيادتي الجديد تلقيت تعليمات بالتقدم علي طريق سفري "

عبر خط ماجينو علي أن أصل في هذه الليلة إلي التلال المحيطة بأفيزن ". وبدأت الحرب وأخذت الدبابات تزحف في قول طويل عبر مواقع وتحصينات العدو ونحو المباني المشتعلة بنيراننا ، وفي ضوء القمر أمكننا رؤية رجال الكتيبة التي أمامنا وهم يتحركون علي أقدامهم بجانب موتوسيكلاتهم وأحياناً كان العدو يفتح نيرانه من مدفع ماكينة أو مدفع مضاد للدبابات ، ولكن لم تسقط أي قذائف بالقرب منا .

وقررت بعد ذلك تأمين الأرض التي اكتسحتها بواسطة الفرقة وجمع الأسري ، وقد بلغ عددهم ما يوازي فرقتين ميكانيكيتين ، ثم أصدرت أوامري لأركان حرب الفرقة بالاستمرار في التقدم ، وبما أن هذه الإشارة صدرت مباشرة من دبابة القائد في ألاي البانزر فلم أتأكد من وصول هذه الإشارة إلي الوحدات ، كانت القوات الفرنسية مبعثرة في كل مكان ويبيتون في العراء بجانب عرباتهم علي جانبي الطريق ، ولم نتمكن من أسرهم لعدم توفر القوات اللازمة لحراستهم ، فكنت أدفعهم أمام عربتي المدرعة لمسافة معينة ، وعندما نسبقهم يختفون في الأحراش . وأمرت الدبابة التي ترافقني باحتلال التل شرق ماروليز مع إرسال جميع الأسري القادمين من الغرب نحو الشرق ، ويرجع سبب ضعف هجوم الدبابات البريطانية " الذي لم يكن متفوقاً عديداً " أنه لم يحظ بمعونة قوية من المشاة ومبعونة أقل من المدفعية ولم يسانده أي هجوم جوي ، وأدت هذه العوامل مجتمعة إلي توقف الدبابات بعد بداية مشجعة ثم إلي انسحابها بعد ذلك ، ولكن التأثير النفسي والمعنوي لهذا الهجوم علي القيادات العليا الألمانية كان عميقاً للغاية ولا يتناسب إطلاقاً مع نتائجه المادية والفعلية ، في عصر يوم 26 مايو وصل إلي مقر قيادتي تقريراً مكن الطيران يتضمن أن العدو شوهد في شمال القناة وهو ينسحب نحو الشمال الغربي ، وفي الحال طلبت من الفليق السماح لي بإنشاء رأس كوبري عبر القناة في هذا المساء ، وصدق قائد الفيلق علي هذا بسرعة .

وقد أنزلت هزيمة نكراء بالجيوش الفرنسية والبلجيكية ، وخسر الفرنسيون 30 فرقة أي حوالي ثلث قوتهم " وتشمل الجزء خفيف الحركة بأكمله تقريباً " ، كما خسروا معاونة 12 فرقة بريطانية لهم ، لأنه بالرغم من سحب أفرادها عبر البحر فقد تركوا عتادهم خلفهم ، ولابد من مرور عدة أشهر قبل إعادة تسليحهم ولم يبق في فرنسا سوي فرقتين بريطانيتين ، بينما كان يجري في ذلك الوقت إرسال فرقتين غير كاملتي التدريب ، وبالرغم من عنف القتال في عصر هذا اليوم فالبريطانيون المستميتون لم يستسلموا مع كل هذا ، وكانت خسائر الفرقة طفيفة ، أما خسارتنا الفادحة فكانت في الماجور كينتل قائد إحدى الكتائب المدرعة الذي أصيب إصابة مميتة من إحدى الشظايا .

حضر إلي ضابط صف وابلغني أن قائداً فرنسياً كبيراً قد أسر في الجانب الشرقي للمدينة ويرغب في مقابلتي ، وبعدها بدقائق وصل الجنرال أيهلر الفرنسي وهو يرتدي سترة عسكرية عادية ، وعندما اقترب مني تأخر الضابط الذي كان يرافقه وظل بعيداً ، فسألت الجنرال عن الفرقة التي كان يقودها فرد علي بألمانية ركيكة : " ليست فرقة أنا أقود الفيلق التاسع"، وقال الجنرال إنه مستعد لقبول مطلبي باستسلام قواته فوراً ، ثم أضاف " لو كان بحوزتي أي ذخيرة باقية لما وقفت أمامك أستسلم " .

ويري روميل أنه من الغريب أن فرنسا تتعاون مع الأسطول البريطاني ، والأفضل لها التعاون مع المنتصرين فإن هذا سيجعل شروط الصلح أكثر اعتدالاً ، وأخيراً كان البريطانيون " طوال الحرب في شمال أفريقيا كلها " يسيطرون علي الخط الحديدي الموجود علي الساحل حتى مرسي مطروح ، وهذا أمر شديد الأهمية ، لأن هذا الخط مرتطباً بباقي شبكة السكة الحديد في مصر ، وبذلك أمكن استخدامه في إحضار العتاد للجبهة ، وعليه أمكن استخدام مصر كترسانة للعتاد الحربي بكل أنواعه ، والدبابات الإيطالية كانت تتمزق بكل بساطة بفعل النيران البريطانية ، وأثناء المعركة سقط ماليتي " قائد المدرعات الإيطالية الشجاع " صريعاً ، وأمكن أسر 30 ألفاً من الإيطاليين ، وهكذا تم إبادة الجيش العاشر الإيطالي ، واستمر الجيش البريطاني في التقدم نحو الغرب ، وفي 8 يناير 1941 تم حصار طبرق ، وبالرغم من دفاعاتها القوية للغاية وحمايتها المكونة من 25 ألفاً ومعززة بوحدات مدفعية قوية ومؤن وفيرة إلا أن هذا الحصن المنيع لم يصمد سوي أسبوعين فقط ، وبعدها انهار الدفاع تحت وطأة الهجوم البريطاني وكان أساسه دبابات المشاة ، ولم يكن بحوزة القوات الإيطالية وسائل دفاع جدية لمواجهة المدرعات البريطانية الثقيلة .

وفي 8 فبراير احتلت القوات البريطانية القائدة العقلية ، وبذا وقفت علي الحدود بين برقة وطرابلس ، وكان جيش جرازياني قد أبيد تماماً ، ولم يتبقى منه إلا بعض قولات من السيارات وجماعات من الجنود العزل من السلاح ، وكانت تفر بأقصى سرعتها نحو الغرب وامتلأت قلوبهم بالرعب ، لأنهم أدركوا أن أسلحتهم أصبحت عديمة الجدوى في موجهة البريطانيين ، فبلغت خسائرهم 120 ألفاً من الأسري " لم تدخل في حسابنا قتلاهم وجرحاهم " ، كما فقدوا 600 عربة وكل مدفعيتهم وسياراتهم وعتادهم تقريباً ، كما أن السلاح الجوي الإيطالي نزلت به هزيمة قاصمة علي أيدي السلاح الجوي البريطاني وخسر اغلب طائراته ومنشأته الأرضية .

ونظراً للموقف المتأزم " في فرنسا في نهاية 1940 " اضطرت لقطع أجازة راس السنة وأعود مسرعاً علي الطريق الذي غمرته الثلوج إلي بوردكس ، " حيث تعسكر فرقتي " ، وحتى ذلك الوقت لم يحدث ما يضطرنا للدخول في عمليات فعلية . وتلي ذلك أسابيع من التدريب الشاق وقررت تعويض أجازتي المقطوعة فقمت بأجازة في أوائل فبراير ، والأقدار تدخلت مرة أخري فقد أبلغني ضابط من أركان حرب الفوهرر بوجوب قطع أجازتي وتقديم نفسي علي الفور للفيلد مارشال فون برادشيتش والفوهرر وكان ذلك بعد ثاني ليلة في منزلي . وفي يوم 6 فبراير أبلغني الفيلد مارشال فون برادشيتش بواجبي الجديد ، وكان ذلك نتيجة للموقف المتأزم لحلفائنا الإيطاليين في شمال أفريقيا ، ولذلك اتجهت النية لإرسال فرقتين ألمانيتين " إحداهما مدرعة والأخرى خفيفة " لمساندتهم في ليبيا ، وكان علي أن أتولي قيادة فيلق أفريقيا الألماني وأن أسافر في أقرب فرصة إلي ليبيا لاستطلاع الأرض . علي أن تصل طلائع القوات الألمانية إلي أفريقيا في منتصف فبراير ، بينما سيتم تحريك الفرقة الخامسة الخفيفة في منتصف أبريل والفرقة 15 بانزر في نهاية مايو . وقد اشترطت القيادة العليا الألمانية " لتقديم هذا العون " أن تتعهد الحكومة الإيطالية بالقيام بالدفاع عن طرابلس في منطقة خليج سيرته علي خط يتجه نحو الجنوب بالقرب من البوبرات بغرض تأمين الأراضي التي ستلزم لاستخدام السلاح الجوي الألماني في أفريقيا .

وطرت بعد أيام إلي سيرته للتفتيش على القوات الإيطالية المحتلة لمواقعها هناك ، وكان مجموعها حوالي لواء من المشاة وقيادتها كانت ناجحة بواسطة العقيد جراتي والرائد سانتا ماريا ، وكان هذا التشكيل هو الوحيد المتيسر لمواجهة الإنجليز ، ولذا يمكن تقدير مخاوفنا من مثل هذا الموقف ، وكانت قواتنا الباقية موجودة علي مسافة حوالي 200 ميل نحو الغرب . وبعد حثي للإيطاليين قاموا في 14 فبراير بتحريك أولي الوحدات الألمانية " الكتيبة 3 استطلاع وكتيبة مضادة للدبابات " ونظراً لخطورة الموقف حثتهم علي الإسراع بالنزول وطلبت منهم الاستمرار في العملية ليلاً وعلي أضواء المصابيح ، وكان علي أن أقبل المخاطرة للتعرض بكل بساطة لهجوم جوي للعدو ، وبواسطة رحلاتي الجوية اليومية بين طرابلس والجبهة توصلت إلي التعرف علي طرابلس جيداً من الجو وأعجبت للغاية بما حققه الإيطاليون هناك ، فقد تركوا أثارهم في أنحاء البلاد وخاصة حول طرابلس وطرهونة والحمص .

وفي 24 فبراير حدث أول صدام بين القوات الألمانية والبريطانية في أفريقيا ودمرنا للعدو عربتي استطلاع وعربة نقل وسيارة وأسرنا ثلاثة جنود بريطانيين من ضمنهم ، ولم تحدث أي خسائر من جانبنا ، وفي نفس استمر تحرك باقي الفرقة الخامسة الخفيفة إلي الجبهة حسب الخطة . وكنا لا نزال في شك من التحركات البريطانية ولكي نوضح الموقف قام الجنرال شترايخ قائد الفرقة الخامسة الخفيفة " والذي تولي قيادة القطاع " بالتقدم إلي مضيق موجتا في 4 مارس وأقفله بالألغام ، ولم يري أي أثر للعدو . وهذا التحرك كان علي جانب كبير من الأهمية لأنه قوي موقفنا بالفعل ، وذلك لوصولنا إلي الملاحة المعروفة باسم " السبخة الكبيرة " وهي تمتد لمسافة 20 ميلاً جنوبي الطريق الرئيسي ولا يمكن عبورها بواسطة الحملات إلا في نقط قليلة ومحدودة ، وقد قمنا بتلغيمها بعد ذلك ، وبذلك فأي هجوم للأعداء في هذه المواجهة الصغيرة سيمكن صده بسهولة وأي حركة التفاف للعدو ستضطره للقيام بتحرك طويل عبر أرض رملية وصعبة " وهذا غير ممكن بالنسبة للعدو " ، وعند موجتا كنا علي مسافة خمسمائة ميل شرقي طرابلس وحتى نستطيع استخدام إمدادنا البحري الساحلي قمنا باحتلال رأس العالي " وهي ميناء صغيرة وضئيلة الأهمية وعديمة القيمة مثل كل الأماكن ذات الأسماء الرنانة " وبعدها بقليل بدأ رئيس الشئون الإدارية في إرسال الإمدادات إلي هناك .

ويكمل في هذه المرحلة لم ينجح هجوم العدو علي طرابلس بواسطة البحرية والطيران في منع إمداداتنا ، وفي 11 مارس تم إنزال الألاى الخامس بانزر في طرابلس ، وقد أحدثت هذه القوة " في هذا الحين " بمعداتها الكاملة تأثيراً ضخماً علي الإيطاليين ، وفي 13 مارس دفعت بمقر قيادتي إلي سيرته بغرض الاقتراب من الجبهة ، وكان في نيتي أصلاً أن أطير إليها وبرفقتي رئيس عملياتي في طائرة من طراز " جيبلي " ولكن بعد إقلاعنا صادفتنا عاصفة رملية فأجبرت الطيار علي العودة بالرغم من سخريتي وحثي له علي الاستمرار ، واضطررت هناك إلي الاستمرار في رحلتي إلي مطار مسراته بالسيارة وأدركنا أننا لم نقدر قوة وبأس هذه العاصفة ، فقد حجبت سحب التراب الأحمر الضخمة الرؤية بالكامل وجعلت السيارة تكاد تزحف ، وفي الكثير من الأحيان بلغت سرعة الريح درجة من القوة استحالت معها أي حركة علي الطريق المرصوف وكانت الرمال تتدفق مثل الماء علي الزجاج الأمامي ، وكنا نتنفس بصعوبة من وراء مناديلنا التي غطينا بها وجوهنا وكان يغطي العرق أجسامنا بسبب الحرارة المخيفة ، وشكرت الطيار في سري واعتذرت له لأن هذا هو " الجيبلي " وقد سقط أحد طياري السلاح الجوي الألماني بسبب هذه العاصفة .

كان المضيق الواقع في مرسي البريقة هو الغرض الأول لهجومنا الذي كان سينطلق في مايو ضد قوات العدو حول أجدابية ، وبعد طردنا للإنجليز من العقلية احتلوا مواقع في المرتفعات الحاكمة في مرسي البريقة وجنوبي الملاحة في بير الصويرة ثم بدأوا في تدعيم مواقعهم ، وكنا نراقب أعمالهم بشيء من القلق لأننا لو سمحنا لهم بوقت يكفي لتدعيم وتلغيم هذه المواقع القوية " بطبيعتها " لأصبح لديهم مواقع تساوي في قوتها مواقعنا عند موجتا " والتي كان من الصعب محاولة افتتاحها بالمواجهة أو تطويقها من الجنوب " وكانت الأرض الواقعة جنوب وادي الفارغ " حوالي عشرين أو ثلاثين ميلاً من مرسي البريقة " رملية تكاد تكون مانعاً لا يمكن اجتيازه بالعربات ، وعليه فكان أمامي إما الانتظار لباقي قواتي التي ستصل في نهاية مايو " وهو الأمر الذي كان سيترتب عليه توفير الوقت للبريطانيين لكي يحصنوا مواقعهم لدرجة أنه يصبح من الصعب طردهم منها " ، أو أن أقوم بالهجوم في الحال بالقوات المحدودة المتوفرة لدي وأستولي علي موقع مرسي البريقة قبل أن يتم إعداده ، وقررت الهجوم فوراً ، وكنت متأكداً أنني أستطيع الاستيلاء علي المضيق بقوتي المحدودة ، وكان موقع مرسي البريقة مهم لي تماماً مثله في ذلك مثل الموقع في موجتا وسيوفر ، لأنه يعتبر منطقة تجمع مناسبة للهجوم المقبل في مايو ، علاوة علي أن موقعنا من المياه قد تأزم وتحتم علينا أن نسعى في فتح نقط مياه جديدة ، وكانت العملية ضد مرسي البريقة " في حالة نجاحها " ستعطينا أرضاً تتوفر فيها المياه ، وتحركت قواتنا في 31 مارس ضد المواقع البريطانية في مرسي البريقة ودارت معركة وحشية في الساعات الأولي من هذا الصباح بين قواتنا وقوات الفرقة الخامسة الخفيفة في فترة بعد الظهر بمهاجمة بمواقع مرسي البريقة نفساً ودافع عنها البريطانيون بعناد ، ثم توقف هجومنا .

إعلانات Zone 5B

[CLOSE]

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)