إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ملفات | مذكرات | «كلمة السر»... «الراي» تنشر «المذكرات الأولى لحسني مبارك» 1967 - 1973 / 3
المصنفة ايضاً في: مذكرات

«كلمة السر»... «الراي» تنشر «المذكرات الأولى لحسني مبارك» 1967 - 1973 / 3

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة الرأي الكويتية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 13167
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

لعل أنسب ما يمكن أن يكون مقدمة لهذه المذكرات... هو كلمات سطرها صاحب المذكرات بخط يده، وكتب فيها:
لقد كانت حرب أكتوبر 1973 محكا للتجربة ومحكا للقدرة... على التخطيط... وعلى القتال.. ولقد كتب الله لنا النصر من عنده... وسجلناه بدمائنا... وأرواحنا.
ولقد كان دور القوات الجوية في هذه الحرب بارزا، فلعبت أروع أدوارها على التاريخ كله، وضرب طياروها وضباطها وجنودها وكل رجالها أروع الأمثلة في التضحية والبطولة والفداء.
ولقد كان لي شرف قيادتها خلال المعارك وقبلها وبعدها، ما زادني فخرا بقيادتهم، وإن كان لنا أن نسجل أعمالهم للتاريخ، فإن بطون الكتب أحفظ لأعمالهم، وستبقى هذه الأعمال فخرا للأجيال القادمة.
غير أن أسرار حرب أكتوبر.. ستظل محلا لدراسات مكثفة على المستويات العسكرية والسياسية والشعبية، وإن كانت هذه إحداها فالأمل أن تتلوها آخريات.
ولا تزال آمال أمتنا معلقة بقواتها المسلحة، حتى تستكمل النصر تحت قيادة الرئيس باعث الشرارة الرئيس محمد أنور السادات... والله ولي التوفيق.

محمد حسني مبارك
نائب رئيس الجمهورية

... «الراي»، وفي حلقات متتابعة تنشر بالتزامن مع جريدة «الوطن» المصرية مذكرات الرئيس المصري الأسبق، وعنوانها «كلمة السر، مذكرات محمد حسني مبارك يونيه 1967 - أكتوبر 1973»، التي سجلها وكتبها محمد الشناوي، وحررها وقدمها عبدالله كمال وجُمعت في كتاب يتألف من مقدمة و13 فصلا وخاتمة، بخلاف التقديم. 

• لهذه الأسباب حددت إسرائيل ساعة الصفر في الثامنة إلا الربع يوم 5 يونيو بتوقيت تل أبيب؟
• كان واجباً على العسكرية المصرية الاستماتة في الحصول على أجهزة الرادار القادرة على كشف الأهداف المعادية
• الغالبية الساحقة من الطائرات المصرية كانت ترقد على أرض مطاراتنا وقواعدنا الجوية في العراء
• بعد 165 دقيقة من تنفيذ العملية «طوق الحمامة» قال مردخاي لـ «رابين»: لم يعد الطيران المصري قادرا على القيام بأي عمل
• التلميذ الإسرائيلي مردخاي هود... قّلد حرفياً خطة أساتذته في حرب 1956
• فايتسمان كان يخدم في مطار فايد وعرف كل شيء عن القواعد المصرية
• الصواريخ «سام 2 : أرض - جو» المصرية عجزت عن حماية الطائرات على الأرض
• أخطاء مصرية لا عبقرية إسرائيلية كانت سبب ارتفاع نسبة الخسائر


مبارك: إسرائيل هزمت مصر
بخطة «بريطانية - فرنسية»

إن اسرائيل تعرف - بلا شك - أن كاتب هذه المذكرات، طيار مقاتل، درس ومارس التخطيط والقتال الجوي، بالمستوى الذي يجعله قادرًا على الحديث عن أي خطة جوية، حديث من يعرف دقائق العملية وأسرارها، بكل ما فيها من نواحي الامتياز والقصور، وبكل ما حوت من تقليد أو تجديد.
وإذا كان هناك احتمال للتعصب من جانبي ضد خطة الجنرال الإسرائيلي مردخاي هود ـ كما رُسمت ونُفذت ـ بحكم العاطفة الوطنية، فإن الضمان الوحيد لكشف الحقيقة، والحقيقة وحدها ـ في تلك الخطة التي تحولت بفعل الدعاية إلى أسطورة ـ هو الاتفاق منذ البداية على أسس موضوعية للتحليل، وقواعد ثابتة معترف بها في جميع مدارس الفكر العسكري ومناهجه، شرقية كانت أم غربية. ثم ننطلق من هذه الأسس والقواعد المتفق عليها علميًّا، إلى تطبيق صحيح لدقائق الضربة الإسرائيلية لطيران مصر.
إذا سرنا خطوة أبعد ـ على طريق التقييم العلمي للخطة العسكرية ـ لكي نسمح لأنفسنا بوصفها بأنها عبقرية أو معجزة، يجب أن يكون واضع الخطة نفسه قد أعطانا المبرر العملي لهذا الوصف، وذلك بتحقيق شرطين أساسيين:
1- الابتكار والتجديد في وضع عناصر العملية القتالية كلها، سواء من ناحية التوقيت للضربة الأولى، أو وسائل تجميع العناصر المشتركة في القتال.
2- وضع الحلول الممكنة ـ والمبتكرة في نفس الوقت ـ للمشكلات القائمة على الجانبين، سواء بالنسبة لجبهة واضع الخطة نفسه، أو المشكلات الناجمة عن موقف جيد يتمتع به الخصم.
ويضاف إلى هذين الشرطين، عنصر مهم لا بد من توافره ـ في الخطة الممتازة، فضلًا عن العبقرية أو المعجزة ـ وهو الإعداد المسبق للحلول العاجلة والبسيطة، لجميع المواقف المعوقة التي يمكن أن يفكر الخصم في اللجوء إليها، عملًا بمبدأ عسكري متعارف عليه، وهو.. أن القائد الناجح هو الذي يؤمن بأن العدو عنده دائمًا ما يخفيه.
إن أصول «النقد الموضوعي» لأي خُطة قتالية، تحتم علينا تطبيقًا لمبادئ الفكر العسكري السليم ـ أن نلقي بنظرة فاحصة على الظروف السياسية والنفسية والعسكرية المتوافرة على الجانبين المتحاربين.. سواء قبيل العملية القتالية، أو خلال تنفيذها، أو بعد الفراغ منها.. واضعين في الاعتبار جميع الاحتمالات التي يُمكن أن تؤدي إليها العملية القتالية موضوع الخطة.
في القاهرة: كانت الأحداث تتلاحق بسرعة مذهلة، ويتصاعد الموقف بشكل لا يترك فرصة لالتقاط الأنفاس:
«1» - رؤساء الوحدات وقادة الأسلحة المختلفة في الجيش المصري، يتلقون الأمر اليومي رقم «1» الذي يقول: «أعلنت حالة الاستعداد القصوى ابتداءً من يوم 15 مايو، الساعة 14:30، وتغادر الفرق والوحدات التي أعدت للعمليات مراكزها الحالية، وتتحرك نحو مناطق التجمع والانتشار التي خُصصت لها، وتستعد القوات المسلحة للانتقال للقتال على الجبهة الإسرائيلية، طبقا لسير العمليات».
«2» - قرار مصري بسحب قوات الطوارئ الدولية المتمركزة على الجانب المصري من الحدود الفاصلة بين مصر وإسرائيل.. ثم إغلاق مضيق تيران في المدخل الجنوبي لخليج العقبة ـ وهو شريان الحياة الوحيد للعلاقات النامية بين إسرائيل ودول أفريقيا والشرق الأقصى.. ومنابع البترول مصدر الطاقة الذي لا حياة لها من دونه.
«3» - مؤتمر صحافي عالمي، يعقده المرحوم الرئيس السابق جمال عبدالناصر، ويعلن فيه ـ أمام المئات من الصحافيين ومراسلي وكالات الأنباء العالمية ـ تهديده لإسرائيل ـ بإلقائها في البحر، إذا نشبت الحرب بينها وبين مصر، أو إذا جازفت بالهجوم على سورية.
«4» ـ لقاء بين جمال عبدالناصر وأعضاء «اللجنة المركزية لاتحاد النقابات العربية» يعلن فيه أنه «إذا هاجمت إسرائيل سورية أو مصر، فإننا جميعًا سندخل الحرب ضدها، وسيكون هدفنا الأساسي هو تدمير إسرائيل.. إنني لم أكن أستطيع أن أقول مثل هذا الكلام منذ ثلاث سنوات أو خمس، وليس من عادتي أن أعد بشيء لست قادرا على تحقيقه.. أما اليوم فإنني مقتنع بانتصارنا.. إن مصر تتوقع في كل لحظة هجوم إسرائيل، الذي سيتيح لنا الفرصة لتدميرها».
إن الجانب السياسي في خطة «مردخاي هود» كان بالنسبة له جانبًا قهريًّا، لا فضل له في تحديد معالمه ولم نبعد دوره الاستفادة من خطأ قائم بالفعل، على الجانب المصري.. ومن ثم نسأل : هل كان الجنرال الإسرائيلي يستطيع أن يحدد لتنفيذ خطته الهجومية ـ لضرب الطيران المصري ـ موعدًا يسبق 5 يونيو ببضعة أشهر، أو يتأخر بضعة أشهر وحتى بضعة أيام ـ عن الموعد الذي نفذت فيه بالفعل؟
أنتقل الآن إلى الموقف العسكري نفسه لكل من طرفي الصراع، لنلقي نظرة فاحصة على هذا الجانب.. لأن التعرف على هذا الموقف، قبل العملية أو بعدها، ضروري لإصدار حكم منصف، سواء بالنسبة لقواتنا المسلحة ـ خصوصا قواتنا الجوية.. الهدف الأول لضربة 5 يونيو ـ أو بالنسبة للعدو نفسه.
ونظرا لاتساع رقعة «الموقف العسكري» ـ الذي يشمل عادة القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي ـ فإننا سنتجه في هذا التحليل إلى موقف القوات الجوية وظروفها على جانبي جهة الصراع لتحليل عناصر الضربة الإسرائيلية للطيران المصري صباح 5 يونيو، ورد هذه الخطة إلى حجمها الصحيح «المتواضع» للغاية من ناحية التخطيط العسكري السليم.
أتوجه بسؤال أولي ومهم للغاية، إلى واضع الخطة الإسرائيلية ـ الجنرال «مردخاي هود».. وهو السؤال الذي لا شك أن الجنرال الإسرائيلي، قد وجه به من خبراء القتال والتخطيط الجوي القائم على القواعد المتعارف عليها في الفكر العسكري ـ بعيدًا عن كل ضوضاء ودعايات الحرب النفسية ـ التي شنتها إسرائيل ضدنا بضراوة لا تعرف الرحمة ـ والسؤال الذي أعنيه، يقول ببساطة:
إذا كان «مردخاي هود» يعرف ـ بحكم منصبه كقائد لسلاح الطيران الإسرائيلي في العام 1967، كل شيء عن إمكانيات هذا السلاح عددًا وعتادًا وتدريبًا.. فماذا كان يعرف بالضبط عن قدرات العدو الذي يخطط لضربه؟ ثم.. ما هي البدائل التي كان من المحتم عليه أن يعدها، أو ـ على الأقل ـ يُفكر فيها، لو فاجأه العدو الجوي ـ المصري ـ بما لم يتوقعه، عملًا بالقاعدة المعروفة التي تقول «إن العدو عنده دائما ما يخفيه»؟
توضيحا لأهمية هذا السؤال، نطرح المبادئ الثلاثة الأولية في التخطيط لأي عملية قتالية - خصوصا ـ في القتال الجوي.. وهي:
1- أن يطمئن واضع الخطة، إلى أنه يملك القوات الضاربة، التي تستطيع تنفيذ الخطة في أسرع وقت، وبدقة كاملة، وبأقل قدر من الخسائر.
2- أن تكون لدى واضع الخطة صورة دقيقة ـ أو أقرب ما تكون للدقة ـ عن إمكانية العدو الجوي.. ودفاعاته، خصوصا في الساعة «س» التي يحددها المخطط العسكري لتنفيذ عمليته الهجومية.
3- التفكير في كل «البدائل» الممكنة، في مواجهة جميع «الاحتمالات» المفاجئة، التي يُمكن أن يلجأ إليها العدو، سواء لتحويل الضربة عن هدفها، أو للتقليل من حجم الخسائر الناجمة عنها، أو ردها على العدو المهاجم، للإيقاع به في شرك خداعي لم يحسب حسابه.. والمبدأ الأخير بالذات، يصرخ بالتحذير في أذن المخطط العسكري.. لا تستهن بالخصم مهما بدا لك من ضعفه ـ الذي قد يكون ظاهريًّا،ولا تغتر بقوتك التي قد تؤدي بك إلى الهلاك.
هذه القواعد الأساسية في التخطيط القتالي ـ التي تمثل في نفس الوقت.. لب السؤال الخطير الذي وُجِّه ولا يزال يوجه للجنرال هود ـ لا بد من تطبيقها على الجانبين ـ المصري والإسرائيلي ـ لتعرف حقيقة ما حدث في الساعة 8.45 من صباح الاثنين 5 يونيو 1967 وهل كان معجزة كبرى.. أم أسطورة كبرى؟
ولكي نطبق تلك القواعد على الجانب المعادي، لا بد من نظرة سريعة على تاريخ نشأة السلاح الجوي الإسرائيلي، والظروف النفسية التي تأسس في ظلها، والعقيدة القتالية التي عاش أفراد هذا السلاح يستنشقونها كالهواء. إلقاء هذه النظرة التاريخية، أمر حيوي، في التحليل المنصف لعملية «طوق الحمامة» التي رسمها «هود»، سواء من حيث التخطيط أو التنفيذ.
وأول ما يطالعنا في تاريخ «الطيران الإسرائيلي» عبارة أطلقها ذات يوم أحد أدباء إسرائيل ووصف فيها طيران بلاده، بأنه «طيران يملك دولة»، ورغم ما يبدو في هذه العبارة من «تهريج» ظاهري ودعاية لاذعة.. فإنها في حقيقة الأمر، تعبر عن واقع مؤسف يعيشه الإسرائيليون، ويخضعون له طوعًا أو كُرهًا.. لأنه نابع من طبيعة الظروف المكونة لإسرائيل كدولة ومجتمع، يقومان على تبني نظرية متعصبة تؤمن ـ من جهة ـ بتفوق الجنس.. وتحلُم من جهة أخرى ـ بالتوسع والاستعمار الاستيطاني لأجزاء من الوطن العربي.
هذا التعصب العنصري، والإيمان بتفوق «الجنس» إلى جانب الحلم الأسطوري بانتزاع أجزاء من أراضي الدول العربية المجاورة؛ جعل وضع إسرائيل منذ قيامها ـ كشعب ودولة ـ في حالة حصار دائم، تمارسه من حولها الدول العربية المحيطة بها.. ولما كانت إسرائيل من جانبها، وبحكم قلتها العددية، بالقياس إلى الكثرة العربية الهائلة من حولها، غير قادرة على رفع هذا الحصار عمليًّا فقد اتجهت إلى رفعه نفسيًّا.
بل إن اسرائيل تجاوزت هذا، إلى التفكير في تحويل الحصار ـ العددي المفروض عليها من العرب ـ إلى حصار نفسي، تفرضه هي على الدول العربية مجتمعة، عن طريق إنشاء قوة ضاربة ذات قدرة قتالية مرتفعة، تستطيع عن طريقها، أن تغرس الرعب في قلب الإنسان العربي، وتحقق بها في نفس الوقت، التوازن النفسي بين أحلام التوسع العدواني التي تعشش في عقل الإسرائيلي، كما تصور هالة أبواق العسكرية الإسرائيلية، وبين الفزع الطبيعي الذي يهاجم هذا المواطن التعس ـ ليل نهار ـ وهو يحس برياح الخطر والعداء تهب عليه وتحاصره من كل جانب.
فإذا عرفنا أن سكان إسرائيل ـ بملايينهم الثلاثة المحدودة ـ لا يمكن أن يشكلوا ـ عدديا على الأقل ـ القوة «البرية» المسلحة التي لا تغرق في محيط الكثرة السكانية العربية الرهيبة من حولها.. يتضح لنا، السر الحقيقي في التركيز على الطيران بالنسبة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية ـ وهي بعقيدتها العدوانية.. تضمن العدوان على الغير كما تتوقعه من الغير بنفس الدرجة.
هكذا تحول الطيران الإسرائيلي، إلى «وهْم كبير» في عقول الإسرائيليين أنفسهم، قبل أن يكون وحشًا خرافيًّا طائرًا بالنسبة للإنسان العربي.. بل إن واجب الإنصاف والأمانة العلمية ـ حتى بالنسبة لخصم لا يتوقف كثيرًا عن الأمانة إذا لم تخدم أهدافه العدوانية ـ يفرض علينا أن نقول إن الشخص الإسرائيلي ـ سواء أكان مواطنًا عاديًّا.. أم واحدا من أكبر قادة المؤسسة العسكرية في إسرائيل ـ هو أولاً وأخيرًا، ضحية لخرافة «الوحش الإسرائيلي الطائر» قبل أن يكون صانعًا لهذه الخرافة أو مروجًا لها.
في الفترة الواقعة بين مايو العام 1948 ويناير 1949،كان هذا السلاح الجوي الناشئ، يقوم بدور لا بأس به في العمليات القتالية التي نشبت بين قوات الدولة الوليدة، وبين «الجيوش العربية» التي اشتركت فيما سُمي وقتها «بحرب التحرير لفلسطين العربية».. ورغم ضآلة حجم وقدرات الطيران الإسرائيلي آنذاك، فإن نشاطه بالذات ضد القوات المصرية ـ التي اقتربت أيامها إلى مسافة 35 كيلو مترا من تل أبيب ـ كان ملحوظًا.
منذ ذلك التاريخ، استطاع «تولكوفسكي» ـ أول قائد لهذا السلاح ـ أن يقنع قادة إسرائيل ـ مدنيين وعسكريين بضرورة العناية بالطيران، وتحويله من مجرد سلاح من أسلحة الجيش إلى وحش طائر.. قادر على حماية إسرائيل والدفاع عنها بعيدًا عن أرض إسرائيل ذاتها ـ والتي لا تسمح بحكم مساحتها الضئيلة بأي عمليات قتالية برية تدور على أرضها المحدودة، وتؤدي إلى اختراقها، أو شطرها ـ ومعنى هذا.. ضرورة توفير عنصرين أساسيين في عملية تكوين هذا السلاح.
أولهما: السرعة.. التي توفرها الأنواع الجيدة والأكثر حداثة والأكبر قوة توفر له في عالم الطيران المقاتل، بحيث تصل الطائرة إلى أبعد مدى، في أسرع وقت ممكن.
ثانيهما: الفاعلية.. الناشئة عن التركيز الشديد، سواء في التدريب الجيد، أو في تناغم الأجهزة المختلفة المشتركة في عمليات هذا السلاح.
وجاءت حرب 1956 ـ التي أخذت فيها إسرائيل دور الشريك الأصغر في العمليات الهجومية التي قامت بها القوات الإنكليزية والفرنسية ضد مصر ـ وأثبتت هذه العمليات مرة ثانية، أهمية، بل حيوية الطيران المقاتل لإسرائيل.. لأن الضربة «الإنجلو فرنسية» العام 1956 - للطيران المصري، عجلت بإخراجه من المعركة، وكانت من أخطر العوامل التي دفعت القيادة المصرية العليا، إلى اتخاذ قرارها بسحب القوات البرية المنتشرة في سيناء.
لقد أطلق «عيزرا وايزمان» ـ خليفة تولكوفسكي في قيادة سلاح الجو الإسرائيلي ـ شعاره المعروف «أن إسرائيل يجب حراستها على ارتفاع أربعين ألف قدم»، ثم أتبعه بشعار آخر أكثر صراحة يقول فيه: «إن الدفاع عن إسرائيل يجب أن يبدأ من سماء القاهرة».
وقد صادف الشعاران هوى في نفس المسيطرين من قادة المؤسسة العسكرية في تل أبيب، وسرعان ما استجابوا بسخاء غير محدود لطلبات سلاح الطيران، بحيث نمت قدرات هذا السلاح نموًّا زائدًا على المعدل الطبيعي لأي سلاح طيران آخر، بالقياس إلى حجم الجيش الإسرائيلي كله، وإلى إمكانيات إسرائيل ذاتها كدولة.
إن ما كان من المحتم على الجنرال الإسرائيلي «هود» أن يضعه نصب عينيه، وهو يضع الخطوط الأولية لعمليته الهجومية، هو عنصر التأمين لقواته الجوية التي ستقوم بالتنفيذ، سواء في ذلك الطائرات القاذفة أو المقاتلة القاذفة، أو حتى طائرات الاعتراض والحماية، التي تصحب القوة القاذفة المكلفة بالهجوم على الأهداف الأرضية للعدو. والعناية المسبقة بعنصر التأمين أثناء تنفيذ عمليات الهجوم الجوي ـ وهو العنصر الذي يُعرف علميًّا باسم الدفاع السلبي المسبق ـ أمر حيوي يتوقف عليه نجاح أو فشل أي خطة جوية.
ومن المعروف أن التأمين الإيجابي للقوات الجوية أثناء قيامها بمهاجمة العدو الأرضي، يعتمد على طائرات الحماية ـ المقاتلة ـ التي تصحب الطائرات القاذفة أثناء تنفيذها مهامها الهجومية ـ والتي تمثل الجانب الإيجابي في عنصر التأمين، الذي يتوقف على ما تملكه الدولة من طائرات الحماية عددًا ونوعًا.
إلا أن الجانب السلبي في عنصر التأمين السابق لعمليات الهجوم الجوي، أكثر خطورة على العدو المستهدف بالضربة الجوية، رغم أنه لا يكلف واضع الخطة عبئًا ماديًّا، يثقل كاهل قواته الجوية، لأن التأمين السلبي يعتمد أولاً وأخيرًا على تعطيل أو تحاشي أجهزة الإنذار المبكر، التي يملكها العدو المستهدف بالضرب، والتي يستطيع عن طريقها، أن يعرف مسبقًا ـ ولو لبضع دقائق تسبق الهجوم ـ أن هناك عدوًّا جويًّا في الطريق إليه. هذه الدقائق القليلة التي تفصل بين صيحات التحذير التي تطلقها أجهزة الإنذار المبكر، وبين وقوع الضربة الجوية، هي التي يتوقف عليها نجاح أو فشل العدو الجوي المغير، من جهة، ونجاة أو دمار العدو المستهدف بالهجوم من جهة أخرى.
وفي خطة الجنرال مردخاي هود سنجد عنصر التأمين ـ الإيجابي والسلبي ـ موجودين.. ولكننا نترك الحديث عن الجانب الإيجابي في التأمين، لنتناوله بالعرض، عند تحليلنا لتفاصيل العملية ذاتها. ونقصر حديثنا هنا على الجانب السلبي في عملية التأمين، وهو الدفاع السلبي الذي كان على الجنرال «هود» أن يوفره لقواته الجوية، عن طريق تعطيل أو تحاشى أجهزة الإنذار المبكر، على الجبهة المصرية، ضمانًا لمفاجأة وسائل الدفاع الجوي المصري ـ الثابت والمتحرك منها على السواء.. وهنا.. تتضح لنا الحقائق التالية:
أولاً: إن مساحة جمهورية مصر العربية تبلغ 386 ألف ميل مربع، من الرقعة الأرضية الثابتة، فإذا أضيفت إليها، طبقًا لأحكام القانون الدولي العام، والقانون البحري الدولي، المساحات التي تخضع للسيادة المصرية من المياه الإقليمية في البحر الأحمر ـ الذي يشكل معظم الحدود الشرقية لمصر ـ والبحر الأبيض الذي يشكل ساحله الجنوبي الحدود الشمالية لمصر كلها، فإن المساحة الخاضعة لسيادة جمهورية مصر العربية، ترتفع إلى ما يقرب من نصف المليون من الأميال المربعة تقريبًا.. ومثل هذه المساحة الهائلة تتطلب إمكانيات ضخمة من وسائل الإنذار المبكر، التي يجب انتشارها على الحدود الشرقية ـ سواء في سيناء أو على سواحل البحر الأحمر، شرقًا ـ وعلى امتداد الساحل المصري للبحر الأبيض من حدود قطاع غزة شرقًا، إلى مطروح والسلوم غربًا ـ لقطع الطريق على أي عمليات هجومية مفاجئة يقوم بها العدو الجوي معتمدًا على هذا الامتداد الهائل لحدودنا الشرقية والشمالية.
ثانيا: لكي يتوافر لهذه الحدود البالغة الطول حزام الأمان المحكم، من أي عمليات هجومية جوية مفاجئة يجب تنويع وسائل الإنذار المبكر من أجهزة رادار متقدمة ووسائل إنذار بشري ـ تعتمد على الرؤية المباشرة ـ إلى جانب وسائل الإنذار المتحركة، الممثلة في مظلات طائرات الحماية والاعتراض، التي يجب أن تظل أسرابها معلقة في الجو طوال الأربع والعشرين ساعة، خصوصا في مواجهة عدو يهرب دائمًا من المواجهة، ويتحين الفرص باستمرار لاقتناص الفرص للضربات المفاجئة التي يقدر أنها تحقق له أكبر قدر من النجاح بأقل قدر من الجهد والخسائر.
ثالثًا: كان من الواجب على العسكرية المصرية ـ في العام 1967، وقد تحملت مسـؤولية حماية الأرض المصرية ـ فضلاً عن التفكير في عملية ردع للغزو العسكري وجنون التوسع العدواني، الذي يمثل صلب العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية في إسرائيل.. أقول كان واجبًا على العسكرية المصرية في مواجهة كل هذه التحديات، التي تمثلت في حدود مصرية بالغة الطول، وفي حاجة ماسة للتأمين ضد الهجوم الجوي من عدو يفاخر بأنه يملك ذراعًا طويلة اسمها «الطيران الإسرائيلي» يعتمد عليها في تنفيذ مخططه العدواني.. أن تضع نصب عينيها، وهي تخطط للدفاع عن مصر، ما حققه الطيران الحربي في العالم، من خطوات واسعة المدى على طريق التقدم، سواء من حيث التسليح أو كمية الذخائر المحمولة بالنسبة للطائرات القاذفة ـ أو القدرة على المناورة والطيران على ارتفاعات بالغة الانخفاض ـ بالنسبة لكل أنواع الطائرات الحربية بوجه عام.
لقد كان هذا يقتضي بالضرورة، الاستماتة في الحصول على أحدث أجهزة الرادار القادرة على كشف الأهداف المعادية التي تتحرك على ارتفاعات منخفضة، ونشر هذه الأجهزة في أنساق متتالية على امتداد الحدود الشرقية والشمالية لمصر، التي يمكن أن يفكر العدو في اختراقها، للقيام بضربة جوية مفاجئة.. وإلى جانب حزام أجهزة الكشف الراداري ـ القادرة على إرسال موجاتها على ارتفاعات منخفضة ـ كان من المحتم أيضا، العناية بأسلوب الإنذار البشري بالعين المجردة، وهو ـ رغم ما قد يبدو من بدائيته أسلوب أثبت فعاليته في كثير من الأحوال، وقدرته على سد الثغرات في حزام الأمان الذي تكونه أجهزة الرادار الحديثة.
الحقيقة الرابعة: التي كان من الواجب وضعها في الحسبان، إذا أرادت العسكرية المصرية في العام 1967 ـ أن تقي بها مصر جيشًا وشعبًا أي مفاجأة غادرة، خصوصا مع تصاعد التوتر في الموقفين السياسي والعسكري مع العدو ـ قبيل ضربة الخامس من يونيو ـ هي المرونة في وضع خطط الإنذار المتحرك، الخاصة بمظلات طائرات الحماية والاعتراض، التي أثبتت التجارب العملية نجاحها في التغلب على كثير من الصعوبات التي تواجه أجهزة الإنذار الأرضية الثابتة كعمليات التشويش والإعاقة والتمويه التي قد يلجأ إليها العدو ليعطل بها أجهزة الرادار، أو يصيبها بالعمى، فتعجز عن القيام بمهمتها الخطيرة في الإنذار المبكر باقتراب العدو الجوي.
ومن هنا كان وجود أسراب طائرات الحماية والاعتراض، معلقة في الأجواء المصرية ـ وعلى طلعات متفاوتة المواعيد طوال الأربع والعشرين ساعة ـ هو الضمان الحتمي، لمواجهة أي احتمال لتعطيل أجهزة الرادار أو تضليلها.. ومعنى هذا بالضرورة.. هو المرونة في مواعيد إقلاع هذه المظلة الجوية وهبوطها.. وعدم ثبات هذه المواعيد، بحيث لا يأخذ العدو فرصة لالتقاط أنفاسه ولا يستطيع تحديد وقت معين تخلو فيه السماء المصرية من طائرات الحماية، يستطيع خلاله أن يضرب ضربته الجوية المفاجئة.
هذه الحقائق الأربع، التي كان من المحتم على العسكرية المصرية لو أنها أخذت بالقواعد العلمية في وضع خططها العسكرية للدفاع عن مصر جوًّا وأرضًا ـ أن تعتبرها ركائزها الأساسية، هي نفسها الثغرات الأربع التي نفذ منها الجنرال الإسرائيلي «مردخاي هود» وهو يضع خطة عمليته الهجومية «طوق الحمامة».
ونجد أنفسنا أمام أخطر سؤالين، طرحهما خبراء التخطيط للعمليات الهجومية الجوية ـ في معاهد الدراسات الاستراتيجية العالمية، كما طرح نفس السؤالين على الجنرال «هود» ومعاونيه؛ الملحقين العسكريين الأجانب في تل أبيب، عقب ضربة 5 يونيو 1967.
السؤال الأول يقول: لماذا حددت إسرائيل ساعة الصفر لتنفيذ عمليتها الجوية لضرب الطيران المصري ـ في الساعة الثامنة إلا الربع بتوقيت تل أبيب ـ التاسعة إلا الربع بتوقيت القاهرة ـ مثلًا ـ لم يبدأ الهجوم قبل ذلك الموعد أو بعده بساعة؟
السؤال الثاني: يتناول جانبين مهمين من العملية الهجومية الإسرائيلية، وهما: تحقيق عنصر المفاجأة الكاملة ـ تقريبًا ـ لسلاح الجو المصري، ثم.. ارتفاع عدد الطلعات التي قامت بها الطائرات المغيرة في اليوم الواحد ـ يوم 5 يونيو ـ بحيث حققت سلسلة متصلة الحلقات من الغارات شبه المستمرة على المطارات المصرية، جعلت منها طوقًا، أشبه بطوق الحمامة، وهو نفس الاسم الكودي للعملية الإسرائيلية.
وبالنسبة للسؤال الأول ـ الخاص بتحديد ساعة الصفر في التاسعة إلا الربع بتوقيت القاهرة ـ فقد اضطرت قيادة سلاح الجو الإسرائيلي ـ وبعيدًا عن كل الدعاية وأساطير الحرب النفسية ـ إلى الاعتراف بالحقيقة، وهي أن الجنرال الإسرائيلي «هود» استفاد من خطأ القيادة المصرية التي كانت ـ طبقًا للنظرية العسكرية المتخلفة التي أشرنا إليها من قبل ـ تحدد ساعة الخطر المرتقب «بأول ضوء».
لم يكن على «هود» سوى الابتعاد عن هذه الساعة الخطرة من وجهة النظر المصرية، التي تبلغ فيها الدفاعات المصرية ـ الثابتة والمتحركة ـ أقصى مدى لها.. وهذا ما فعله بالضبط، فقد ابتعد عن تلك اللحظة الحرجة بالنسبة لطياريه، التي يحتمل أن يواجهوا فيها طائرات الحماية والاعتراض التي تحلق في الأجواء المصرية ـ عقب أول ضوء ـ ثم تهبط إلى قواعدها عند زوال الخطر كما تتصوره قياداتنا السابقة، كما أن الجنرال الإسرائيلي، استفاد من تقارير الأرصاد الجوية التي أكدت أن الممرات التي كان قد حددها كمسار لطائرات الموجة الأولى من موجات الضربة الجوية، وتقع في المدخل الشمالي للدلتا ـ من ناحية البحر الأبيض ـ ستكون مغطاة بضباب لن ينقشع قبل الساعة الثامنة صباحًا، وسيكتمل انقشاع هذا الضباب بعد ذلك بنحو نصف الساعة، فإذا بدأت الموجة أولى هجومها في التاسعة إلا الربع، فإن طياريها سيضمنون رؤية واضحة تمامًا لأهدافهم من ناحية، واسترخاء مداهم الجوي الذي تحكم قياداته نظرية بالية من مخلفات الحرب العالمية الثانية من ناحية أخرى.
بالنسبة للسؤال الثاني ـ الخاص بتحقيق الطيران الإسرائيلي، للمفاجأة الكاملة لسلاح الجو المصري، من ناحية، وارتفاع عدد الطلعات التي قامت بها الطائرات الإسرائيلية في اليوم الواحد ـ فإن الأمر لم يكن بحاجة إلى كل هذه الأساطير التي نسجتها أبواق الدعاية وأجهزة الحرب النفسية الإسرائيلية، لتضخم ما حدث يوم 5 يونيو. ذلك أن نجاح الطيران الإسرائيلي في مفاجأة الطيران المصري في ذلك اليوم، لا يرجع إطلاقًا إلى عبقرية عسكرية فذة، وليس معجزة يستحيل تكرارها.. الأمر أبسط من هذا ـ وأكاد أقول.. أكثر سذاجة مما صورته الدعايات الإسرائيلية..وهو لا يخرج عن استفادة جيدة من الإمكانيات المتاحة للجنرال هود وسلاحه الجوي من ناحية، واستغلال الخطأ في التفكير العسكري، والقصور في العتاد، خصوصا في أجهزة وأساليب الإنذار المبكر على الجانب المصري.
ولو أننا استعدنا تفاصيل العملية الهجومية ذاتها كما خطط لها هود ونفذها طياروه؛ لوجدنا أمامنا الدليل القاطع، الذي لا يقبل المناقشة على صحة ما ذهبنا إليه من بساطة وتقليدية خطة العملية الإسرائيلية، وخلوها من أي ملمح من ملامح العبقرية والإعجاز العسكري، إلا إذا جاز لنا أن نصف التلميذ الذي يحفظ جدول الضرب، بأنه عبقري معجزة، إذا استطاع أن يعرف أن الرقم 144 ـ مثلا ـ هو حاصل ضرب الرقمين 12في 12.
إن مردخاي هود في تخطيطه لعملية 5 يونيو، كان تلميذًا مجدًّا للعسكرية «الإنجلوفرنسية»، التي خططت لضرب سلاح الجو المصري العام 1956 ـ التي عرفت باسم العدوان الثلاثي.. والتي أخذت فيها إسرائيل دور الشريك الأصغر، الذي تعلق بذيل العربة التي يقودها الشريكان الأكبر سنًّا، والأكثر ثراءً ومقدرة.
ففي العملية الأولى التي نفذها الطيران الإنكليزي بالاشتراك مع الطيران الفرنسي، أتت الطائرات المغيرة من البحر الأبيض، ودخلت الأجواء المصرية من شمال الدلتا، لتهاجم المطارات المصرية، التي كانت معروفة تمامًا، بكل تفاصيلها وتجهيزاتها للطيارين الإنكليز، الذين لم يكن قد مضى على مغادرتهم لهذه القواعد الجوية سوى فترة زمنية قصيرة لم تكن تسمح بتغيير معالم هذه المطارات، أو إنشاء مطارات أخرى غيرها، تكون مجهولة تمامًا من العدو المغير.
وقد ساعد الطيران الفرنسي والإنكليزي على إحداث عنصر المفاجآت العام 1956 ـ لسلاح الجو المصري، عملية التخدير السياسي التي لعبتها السياسة البريطانية، على عهد إيدن ـ بإحكام ومهارة، بحيث رسَّبت عند القيادة المصرية على أعلى مستوى سياسي وعسكري في ذلك الوقت، إحساسًا قويًّا، باستبعاد قيام الدولتين الشريكتين، إنكلترا إيدن، وفرنسا جي موليه ـ بأي عمل مسلح لعرض وجهة نظرهما بالقوة في قضية تأميم القناة التي تفجر الصراع المسلح.
وكنتيجة لهذا الاطمئنان السياسي، حدث نوع من الاسترخاء العسكري امتد أثره بالضرورة إلى سلاح الجو المصري ـ الذي لم تكن عنده أوامر بالدخول في حرب أو احتمال دخولها بسرعة.. هذا هو ما حدث بالضبط في العام 1956، وبتخطيط سياسي وعسكري من العسكرية الإنجلوفرنسية.. وكانت النتيجة ما نعرفه جميعًا، من إصابة سلاحنا الجوي بضربة قاصمة، وطائراته جاثمة على الأرض.
ماذا حدث في 5 يونيو.. وبتخطيط وتنفيذ إسرائيلي بحت.. نفس الشيء تماما. ونفس الخطة نجدها كاملة، ونفس المسارين السياسي والعسكري بلا أدنى إضافة توحي بعبقرية، أو حتى بتجديد ذكي.
والدراسة المقارنة لكل من الضربتين اللتين وجهتا لسلاح الجو المصري ـ في العام 1956. ثم في العام 1967 ـ تؤكد أن الإسرائيليين لم يكونوا أكثر من تلامذة مجتهدين حفظوا الدرس الذي لقنه لهم أساتذتهم من قادة العسكرية البريطانية والفرنسية ـ في عملية 1956، التي عرفت في المراجع العسكرية ومعاهد الدراسات الاستراتيجية باسم حرب أو عملية السويس.
وقد أعاد الإسرائيليون تنفيذ هذه العمليات الإنجلوفرنسية بحذافيرها.. وبلا أدنى محاولة للخلق أو الابتكار تخطيطًَا أو تنفيذًا، مع فارق واحد بين العمليتين، هو أن طياري بريطانيا وفرنسا ـ في عملية 1956 ـ كان يملأهم الغرور والثقة بالنفس، لأنهم الأجنحة الطائرة لدولتين من أكبر دول أوروبا الغربية من ناحية، ولأنهم يعرفون دقائق وتفاصيل المطارات المصرية التي يقصفونها، والتي كانت إلى عهد قريب؛ قواعد جوية بريطانية، حتى وقعت اتفاقية الجلاء في يونيو العام 1954.
أما التلامذة الجدد ـ مردخاي وطياروه ـ فقد كانوا عند تنفيذ عمليتهم الهجومية، أو بمعنى أدق، عندما كانوا يعيدون تنفيذ نفس العملية ـ في 5 يونيو 1967 ـ كانوا يدركون تمامًا، أن اللعبة أكبر بكثير من حجمهم، وأكبر بكثير من حجم إسرائيل ذاتها، وأن أي احتمال للفشل في إعادة تنفيذهم للخطة الإنجلو فرنسية يعني شيئًا رهيبًا بالنسبة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي تتحكم في كل شيء في تل أبيب. وقد أخذوا أنفسهم بمنتهى الجدية في التدريب الشاق على تنفيذ العملية ـ التي شاهدوا أساتذتهم ينفذونها العام 1956 ـ واتَّبعوا نفس التخطيط السياسي والعسكري للتمهيد للعملية ثم تنفيذها.
على الجانب العسكري لكلتا العمليتين في 1956 و1967؛ نجد نفس التقليد الحرفي، يقوم به التلميذ الإسرائيلي «مردخاي هود» لخطة أساتذته من قادة الطيران الإنجلوفرنسي الذين خططوا لضرب السلاح الجو المصري في عملية 1956.
1ـ في الساعة الخامسة من بعد ظهر الحادي والثلاثين من أكتوبر العام 1956. أقلعت الطائرات البريطانية والفرنسية المخصصة للعملية، من قواعدها محلقة شرقا فوق البحر الأبيض المتوسط، وعندما وصلت إلى محاذاة وسط الدلتا انحرفت جنوبًا واخترقت المجال المصري في المنطقة الواقعة بين غرب بورسعيد، وشرق دمياط، وهي المنطقة التي تمثل بتكوينها الجغرافي، ثغرة طبيعية في حزام الأمن الذي تقيمه أجهزة الإنذار المبكر.. بسبب بحيرة المنزلة التي تمتد شمال الدلتا وتغطي مساحة ضخمة لا يفصلها عن مياه البحر الأبيض سوى شريط ساحلي بالغ الضيق.
ومن هذا الممر الآمن، شقت الطائرات المغيرة طريقها في سماء مصر، لتصل بعد لحظات إلى قواعدنا الجوية ـ المحدودة في ذلك الوقت ـ في كل من منطقة القنال والدلتا والقاهرة، وهي قواعد ومطارات معروفة جيدًا للطيارين الذين تولوا تنفيذ العملية الهجومية ـ حيث كانوا يقيمون بها قبل أن يرحلوا منها عقب تنفيذ اتفاقية الجلاء التي وقعت العام 1954.
ما قد يبدو وللوهلة الأولى، وكأنه ابتكار أو إضافات خلاقة أضافها واضع النسخة الإسرائيلية من الخطة البريطانية الفرنسية ـ لعملية ضرب الطيران المصري وهو جاثم على الأرض ـ لا يخرج في حقيقته عن استفادة جيدة من ظروف مواتية، أو ابتكارات استحدثت في مجال الطيران الحربي، ولم تكن موجودة أثناء تنفيذ الأصل الإنجلوفرنسي للعملية العام 1956.
إن السنوات الإحدى عشرة التي تفصل بين عملية 1956 الإنجلوفرنسية والنسخة الإسرائيلية المكررة لنفس الضربة العام 1967، هذه السنوات الطويلة، حدث فيها تطور هائل في مجال الطيران العسكري، واستحدثت خلالها ابتكارات شبه أسطورية في تصميم وبناء الطائرة الحربية وأعطتها إمكانيات هائلة، وقدرات قتالية لم تكن تخطر على بال أحد.. وأبسط هذه الإمكانيات قدرة الطيار المقاتل على التحكم في طائرته وهو يُحلق على ارتفاعات بالغة الانخفاض، وهو آمن تمامًا من أي مفاجآت، لأنه يطير في حماية أجهزة إلكترونية معاونة، تيسر له التحكم في طائرته على أي ارتفاع، وتحاشي الاصطدام بأي نتراءات تصادفه أثناء طيرانه المنخفض، وكأجهزة الإنذار الموجودة بالطائرة والتي تنبه الطيار إلى وجود خطر يلاحقه أو يهدده.
كما أن التطور الذي لحق طوال السنوات التي تفصل بين العمليتين الأصل الإنجلوفرنسي والتقليد الإسرائيلي استحدثت في مجال الإنذار المبكر، خصوصا في أجهزة الكشف الراداري، ابتكارات متلاحقة، جعلت من هذه الأجهزة خطرًا ساحقًا يهدد الطائرات المغيرة، بحيث لا تكون هناك فرصة للطيار المقاتل لكي يفلت من هذه الأجهزة إلا بالاستفادة من الفرصة الوحيدة، المتاحة أمامه، وذلك باستغلال قدرات طائرته على المناورة والطيران المنخفض.
من هاتين الحقيقتين، يتضح لنا أن اتخاذ أسلوب الطيران المنخفض الذي لجأ له طيارو إسرائيل في 5 يونيو، ليس دليلًا على عبقرية فترة في التخطيط أو التنفيذ، بل هو استفادة من إمكانيات أتيحت لهم وقت تنفيذهم لعملية خططها أساتذتهم الإنجليز والفرنسيون، ولم تكن متاحة من قبل.. بل هو رضوخ حتمي اضطروا إليه، ولكي ينجوا بأنفسهم وبطائراتهم من الوقوع في مصيدة الكشف الراداري الذي يرسل نبضاته المتلصصة على ارتفاعات عالية، ومن ثم اضطروا للطيران المنخفض في المستوى الذي يعرفون أن مصر لا تملك أجهزة الكشف الراداري القادرة على اكتشافهم فيه.
إن أبرز الحقائق التي سعت عمليات الدعاية الإسرائيلية لإخفائها في ذلك الوقت عديدة.. ومنها :
1ـ إن أجهزة ووسائل الدفاع الجوي الثابتة ـ التي كانت تملكها مصر وقت الضربة ـ كانت من القصور، بحيث أعطت للطائرات المغيرة ـ خصوصا طائرات الموجة الأولى، التي قامت بضرب المطارات المصرية في التاسعة إلا الربع من صباح الاثنين 5 يونيو ـ حرية في الحركة، لم تكن لتتاح لهذه الطائرات، لو أن المطارات والقواعد الجوية المصرية ـ التي لم تكن تزيد وقت الضربة على بضعة عشر مطارًا ـ كانت تملك القدر الكافي من وسائل الدفاع المضاد للطائرات، خصوصا الأنواع الحديثة منها.
وعلى سبيل المثال، فقد كان أحدث سلاح تملكه مصر من أسلحة الدفاع ـ في ذلك الوقت ـ ضد الطيران المهاجم، هو الصاروخ «سام 2: أرض ـ جو»، وهو رغم قدرته التدميرية، كان عاجزًا عن حماية الطائرات المصرية الجاثمة على الأرض وقت تنفيذ العملية، لسبب بسيط وهو أنه لا يعمل عمله المؤثر إلا ضد الطائرات المحلقة على ارتفاعات عالية، أما الطائرات الحديثة القادرة على التحليق على ارتفاعات منخفضة ـ كطائرة «الميراج/ 3 الفرنسية» التي استخدمتها إسرائيل في الموجة الأولى لعملية 5 يونيو ـ فإن الصاروخ «سام ـ 2» يقف عاجزًا تمامًا عن إصابتها، لأنها تطير على ارتفاع منخفض خارج قدرته التدميرية في الارتفاعات العالية.
ومن القواعد المعروفة في مجال الحرب الجوية، أن الطيار الذي يهاجم وهو مطمئن إلى ابتعاده عن مجال الدفاعات الأرضية للعدو ـ من صواريخ أو مدفعية مضادة تقليدية ـ مع معرفته المسبقة بأن الدفاعات المتحركة من طائرات اعتراضية أو مقاتلة، تجثم على الأرض، يتجه إلى هدفه وهو في أقصى حالات سيطرته على أعصابه، وبالتالي فلا عذر له إن لم يحسن التصويب على الأهداف المطلوب قصفها، خصوصًا إذا كان هذا التصويب يتم آليًّا بواسطة أجهزة حديثة بالغة الدقة زودت بها الطائرة التي يقودها.. ومثل هذا الطيار عندما يصيب هدفه، قد يُوصف بأنه طيار مدرب ـ أو حتى جيد التدريب ـ كان وصفه بالإعجاز والعبقرية.
2 ـ مثال آخر يؤكد أن ارتفاع نسبة الخسائر التي أصيب بها سلاح الجو المصري في 5 يونيو 1967 ـ خصوصا في الطائرات التي ضربت على الأرض ـ لا يرجع إلى قدرات خارقة للطيارين الإسرائيليين، وأن سببه الفعلي حقائق وأخطاء كانت موجودة على الجانب المصري، واستفاد منها العدو المهاجم ببساطة، ثم حاول إخفاءها، لكي يضفي على طياريه قدرات أسطورية.
مثال ذلك أن الأغلبية الساحقة من الطائرات المصرية، كانت ترقد على أرض مطاراتنا وقواعدنا الجوية.. في العراء.. مكشوفة تمامًا، كهدف ظاهر للعين المجردة حتى على ارتفاعات عالية، فضلًا عن طائرات معادية اتخذت في هجومها تكتيك التحليق على ارتفاعات منخفضة.. وترك الطائرة الحربية مكشوفة ومتراصة على أرض المطار، بلا غطاء يحميها، بل بلا تمويه فعال، يضلل الطيار المغير عن حقيقتها، غلطة قاتلة وقعت فيها القيادات المصرية العام 1967، ودفع ثمنها سلاح الجو المصري غاليًا.
ولو أن هذه الطائرات كانت ترقد بمحركاتها الساكنة داخل دشم حديثة مجهزة قوية البنيان، لتغيرت الصورة عما حدث صبيحة 5 يونيو، ولعادت طائرة الموجة الأولى للهجوم الجوي الإسرائيلي، دون أن تحقق عُشر ما حققته من نتائج تدميرية، ضد طائرات تُركت في العراء، صيدًا ثمينًا وسهلا، بلا غطاء تحميها شر التدمير وهي جاثمة على الأرض بلا حراك.
ولو أن هذا حدث فعلًا، وكانت هناك الدشم القوية ووسائل الدفاع القادرة على حماية طائراتنا من هول الضربة الأولى، لنجت الأغلبية الساحقة من طائراتنا الحربية، وهو أمر كان سيغير نتيجة العمليات العسكرية كلها، تغييرًا جذريا، لأن العدو الذي ينجح في امتصاص الضربة الأولى دون أن يفقد توازنه، أو يفقد سيطرته على قواته، وقدرته على تحريك هذه القوات بأعصاب ثابتة وفكر هادئ متزن، يكون أقدر على توجيه الضربة المضادة المميتة، التي تنجح في تكبيد العدو خسائر أفدح بكثير مما تكبد هو في الضربة الأولى التي نجح في امتصاصها ونجح في النجاة من رد فعلها العنيف وتأثيره على الروح المعنوية لقواته، وهو تأثير قد يكون أعنف من التأثير التدميري للضربة ذاتها.
3ـ حقيقة ثالثة ـ لا أظن أن كثيرين يعرفونها، رغم أنها ثابتة في ملفات سلاح الطيران الملكي البريطاني ـ وهي أن «عيزرا وايزمان» ثالث الجنرالات الإسرائيليين الذين تولوا قيادة سلاح الطيران الإسرائيلي ـ بعد «أهارون ريمز» و«دان تولكوفسكي» ـ عمل أثناء الحرب العالمية الثانية وقبيل قيام إسرائيل كدولة، كواحد من رجال سلاح الطيران الملكي البريطاني في القواعد الجوية التي كانت تحتلها القوات البريطانية في منطقة قناة السويس.
وحتى لا تسارع المؤسسة العسكرية في تل أبيب بالإنكار كعادتها ـ خصوصا عندما تواجه بكشف حقيقة مؤلمة كانت تحرص على بقائها على الكتمان ـ فإنني أحدد آخر مطار خدم به «الجنرال الإسرائيلي وايزمان» على الأرض المصرية ـ أثناء خدمته بسلاح الطيران البريطاني ـ وهو مطار «فايد». والحكم بيننا هو سجلات الخدمة بسلاح الجو الملكي في لندن.. وبالتالي كان يعرف هذه المطارات التي خدم بها ـ وآخرها مطار فايد ـ حق معرفة، ويعرف تفاصيل المنشآت بكل مطار خدم به.
ومثل هذه الحقيقة الرهيبة، حين نزنها بوزنها الصحيح في مجال التأثير على موقع الصراع على السيادة الجوية في المنطقة بين سلاحنا الجوي المصري، وسلاح إسرائيل الجوي، ستعطينا التفسير المنطقي، والسبب الحقيقي، لدقة الطيار الإسرائيلي في إصابة الأهداف المصرية من طائرات جاثمة على أرض المطارات، أو منشآت المطار وأبنيته المعاونة نفسها.
فإذا عرفنا أن المطارات والقواعد الجوية، التي تسلمها الطيران المصري، من سلاح الطيران البريطاني، بعد جلاء الإنكليز من مصر طبقًا لاتفاقية العام 1954، كانت تمثل أكثر من ثمانين في المئة من المطارات المصرية التي ضربت صباح 5 يونيو العام 1967، وأن هذه المطارات التي عمل بها الجنرال «وايزمان» ظلت كما هي ـ منذ تركها. ولم تُفكر القيادة المصرية ـ مع بالغ الأسف ـ في مجرد تغيير معالمها، حتى بعد أن ثبت من العملية الإنجلوفرنسية ـ العام 1956 ـ أن هذه المطارات بكل تفاصيلها ومنشآتها ليست سرًّا حربيًّا قوميًّا.. وأن هناك دولة أجنبية واحدة على الأقل ـ هي إنكلترا ـ تعرف كل أسرار هذه المطارات.
بقيت نقطتان لابد من الإشارة إليهما، لكي نستكمل تحليلنا العلمي، لحقيقة ما حدث صباح الاثنين 5 يونيو العام 1967، ورده إلى حجمه الطبيعي في مجال التخطيط والتنفيذ :
النقطة الأولى: تتمثل في ظاهرة لفتت الأنظار ـ في ذلك اليوم المشؤوم ـ وكانت مثار الكلام كثيرًا في كل ما كُتب عن «حرب الأيام الستة» كما سُميت عمليات 1967..وهي تتابع موجات الهجوم الجوي الإسرائيلي على المطارات المصرية، من الثامنة إلا الربع ـ بتوقيت إسرائيل ـ حين وصلت طائرات الموجة الأولى فوق مطاراتنا، وبدأت في قصفها، إلى أن رفع «مردخاي هود» سماعة التليفون، في مكتبه برئاسة عمليات السلاح الجوي الإسرائيلي، لكي يقول لإسحق رابين ـ رئيس أركان جيش إسرائيل العام 1967 ـ «لقد تمت المهمة... لم يعد الطيران المصري قادرًا على القيام بأي عمل».
إذا رجعنا إلى تقارير عمليات الطيران ـ والدفاعات الجوية ـ على الجانبين، المصري والإسرائيلي في ذلك الوقت؛ سنجد أن هذه المساحة الزمنية البالغة القصر ـ التي لا تتجاوز خمسا وستين ومئة دقيقة ـ قد تخللتها موجات متتابعة من الهجمات الإسرائيلية فوق الأهداف الحيوية لسلاح الجو المصري ـ من طائرات ومطارات ومنشآت معاونة ـ وأن هذا التتابع في موجات الهجوم لم ينقطع لأكثر من عشر دقائق ـ إلى ربع الساعة على الأكثر ـ بين هجمة وأخرى في بعض الحالات وأن بعض المطارات المهمة ـ خصوصا المطارات المتقدمة، أو القواعد الجوية لأنواع ذات تأثير استراتيجي من الطائرات المصرية ـ قد تعرضت لموجات هجومية وصلت في بعض الحالات إلى عشر موجات متوالية، بينما هبطت موجات الهجوم بالنسبة لبعض المطارات ذات الأهمية الثانوية ـ من وجهة نظر العدد ـ إلى موجة أو موجتين فقط.
بهذا نجد أن جموع الموجات الهجومية التي قام بها الطيران الإسرائيلي في ذلك اليوم، تصل إلى عدد يلفت النظر، ويستحق الوقوف عنده بالتساؤل.. هل كان هذا التتابع والاستمرار في موجات هذه العملية الهجومية، راجعًا إلى عبقرية فذة في التخطيط، أم أن هناك سببًا آخر لهذا التتابع المنتظم في موجات الهجوم، من بدء العملية إلى نهايتها، وأن هذا السبب لا صلة له من قريب أو من بعيد بعبقرية التخطيط، أو الإعجاز في التنفيذ؟
إجابتي عن هذا السؤال، ستتجه منذ البداية إلى حقيقة لا سبيل إلى إنكارها.. وهي استنطاق «الأرقام» التي لا تعرف الكذب أو الخداع أو التضليل.
الأرقام تقول: إن الجنرال الإسرائيلي «مردخاي هود» كانت تحت تصرفه، وهو يضع اللمسات الأخيرة من العمليات الهجومية، التي نفذها ثلاثمئة وخمس طائرات حربية، ما بين قاذفة، ومقاتلة قاذفة، وطائرات اعتراضية، تصلح للقيام بمهام العمليات الهجومية المطلوب تنفيذها.
وإذا كانت المطارات المصرية المطلوب قصفها في ذلك اليوم، تتراوح من حيث البعد والقرب ـ عن قواعد الطائرات الإسرائيلية المكلفة بتنفيذ العملية، كما تتراوح هذه المطارات أيضًا، من حيث أهميتها أو عدم أهميتها من وجهة نظر الجنرال «هود» فإن لغة الأرقام ـ التي لا تعرف الكذب ـ تقول إنه كان يملك يوم 5 يونيو، اثنتين وسبعين طائرة من طراز «ميراج/ 3» المقاتلة الاعتراضية حاملة الصواريخ «جو ـ أرض» و«جو ـ جو» وأربعين مقاتلة قاذفة من طراز «أوراجان» وأربعا وعشرين مقاتلة من طراز «وتور» وأربعا وعشرين مقاتلة من طراز «سوبر/ مستير» وأربعين مقاتلة من طراز «مستير/ 4»، بالإضافة إلى ستين طائرة من طراز «فوجا/ ماجستير» تم تسليمها واستخدامها في نفس العملية.
كما أن المطارات المصرية ـ التي تعرضت للقصف في هذه العملية ـ هي على وجه التحديد، وبترتيب قُربها أو بُعدها بالنسبة لقواعد إقلاع الطائرات المهاجمة: مطارات العريش، وبير تمادة والمليز، والسر، وفايد، وكبريت، وأبوصوير، ثم أنشاص، وألماظة، وغرب القاهرة، ثم المنصورة ثم بني سويف، فالأقصر وأخيرًا مطار الغردقة تقريبًا.
وبمقارنة عدد المطارات المطلوب قصفها في عملية «طوق الحمامة» بعدد الطائرات المتاحة ـ خصوصا الطائرات ذات السرعة فوق الصوتية ـ فإن الأمر يخرج تمامًا من نطاق العبقرية أو الإعجاز، ليتحول إلى نتاج طبيعي لشيء اسمه التدريب الجيد، سواء بالنسبة للطيار المقاتل، أو للأجهزة الأرضية المعاونة له، كأطقم الصيانة التي تتولى الكشف الدقيق السريع على الطائرة بين الطلعة والطلعة، والإسراع بإصلاح ما يكون قد لحق بها من أعطال، وأطقم التموين بالوقود، والإمداد بالذخيرة، التي يتوقف على نجاحها أو فشلها في تحقيق سرعات قياسية لتحقيق مهامها المعاونة نجاح أو فشل الطيار في تحقيق العدد المطلوب من الطلعات المتتالية، وهو أمر يعرفه الطيار العادي ـ سواء أكان طيارًا مدنيًّا أم مقاتًلا ـ فضلًا عن خبراء وأساتذة التخطيط الجوي في كل معاهد الاستراتيجية العالمية.

المصدر: صحيفة الرأي الكويتية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)