إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ملفات | مذكرات | «كلمة السر» ... «الراي» تنشر «المذكرات الأولى لحسني مبارك» 1967 - 1973 / 4
المصنفة ايضاً في: مذكرات

«كلمة السر» ... «الراي» تنشر «المذكرات الأولى لحسني مبارك» 1967 - 1973 / 4

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة الرأي الكويتية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 13287
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

لعل أنسب ما يمكن أن يكون مقدمة لهذه المذكرات... هو كلمات سطرها صاحب المذكرات بخط يده، وكتب فيها:
لقد كانت حرب أكتوبر 1973 محكا للتجربة ومحكا للقدرة... على التخطيط... وعلى القتال.. ولقد كتب الله لنا النصر من عنده... وسجلناه بدمائنا... وأرواحنا.
ولقد كان دور القوات الجوية في هذه الحرب بارزا، فلعبت أروع أدوارها على التاريخ كله، وضرب طياروها وضباطها وجنودها وكل رجالها أروع الأمثلة في التضحية والبطولة والفداء.
ولقد كان لي شرف قيادتها خلال المعارك وقبلها وبعدها، ما زادني فخرا بقيادتهم، وإن كان لنا أن نسجل أعمالهم للتاريخ، فإن بطون الكتب أحفظ لأعمالهم، وستبقى هذه الأعمال فخرا للأجيال القادمة.
غير أن أسرار حرب أكتوبر.. ستظل محلا لدراسات مكثفة على المستويات العسكرية والسياسية والشعبية، وإن كانت هذه إحداها فالأمل أن تتلوها آخريات.
ولا تزال آمال أمتنا معلقة بقواتها المسلحة، حتى تستكمل النصر تحت قيادة الرئيس باعث الشرارة الرئيس محمد أنور السادات... والله ولي التوفيق.

محمد حسني مبارك
نائب رئيس الجمهورية

... «الراي»، وفي حلقات متتابعة تنشر بالتزامن مع جريدة «الوطن» المصرية مذكرات الرئيس المصري الأسبق، وعنوانها «كلمة السر، مذكرات محمد حسني مبارك يونيه 1967 - أكتوبر 1973»، التي سجلها وكتبها محمد الشناوي، وحررها وقدمها عبدالله كمال وجُمعت في كتاب يتألف من مقدمة و13 فصلا وخاتمة، بخلاف التقديم. 

• بنيت خطة الضربة الجوية على أساس أن إسرائيل لديها ما تخفيه!
• قررنا بواقعية تحديد قوة العدو دون انتقاص أو تهويل... وحددنا أهدافنا دون جنون
• رئيس إسرائيل إبراهام كاتزر قال في 24 أكتوبر: لقد كنا نعيش في نشوة لم تكن الظروف تبررها
• الرئيس السادات قال «أنا اللي يهمني في المقام الأول هو بلدي... معروض عليَّ حل جزئي... بس أنا مش حاقبله ... وييجي حد غيري يقبله»
• السادات أصدر قراره التاريخي بالحرب يوم 8 يوليو ولكنه لم يحدد ساعة الصفر
• حرب أكتوبر كانت فرصة سلاح الجو ... لاسترداد شرفه العسكري
• كان العدو مغروراً بنفسه مستهيناً بنا... وكنا واثقين من أنفسنا وعارفين بقدرته
• القيادة خططت للقيام بضربتين جويتين لا يفصل بينهما سوى ساعتين ونصف الساعة
• نجاح الضربة الأولى في تحقيق الأهداف المطلوبة كان ساحقاً وأدى إلى الاستغناء عن توجيه الضربة الثانية


حسني مبارك: السادات وضعنا أمام امتحان
«هل إحنا موجودين ولاَّ مش موجودين؟»

ترددت طويلا، عندما تهيأت لكتابة هذا الجزء الخاص من الكتاب تحديدا، على كثرة ما به من أبواب وفصول. مبعث حيرتي وترددي.. هو اختيار المدخل الذي يقدم لأول مرة صورة صادقة وأمينة، لما قام به سلاح الطيران المصري في الساعة «2:05 ـ الثانية وخمس دقائق» من بعد ظهر السادس من أكتوبر العام 1973، عندما نفذ طيارونا المقاتلون الضربة الجوية المصرية المركزة «صِدام» ضد أهداف العدو، فحققوا بدقتهم في تنفيذها، وبانخفاض نسبة الخسائر بين طائراتهم، وارتفاع نسبة إصابتهم للأهداف المعادية، مستويات قياسية جديدة ـ لم يسبقهم إليها أحد في تاريخ الحروب الجوية».
في هذه الحرب أثبت مقاتلونا بنجاحهم الساحق ظهر ذلك اليوم المجيد، أن الطيار المصري المقاتل ليس قادرا على الانتقام من عدوه الطيار الإسرائيلي فحسب، ولكنه قادر على تحقيق انتقامه الجوي، بأعلى قدر من الكفاءة في التخطيط، والإحكام في التنفيذ، بمستوى يجعل من ضرباته الانتقامية مثالا يحتذى به، وقدرة يضرب بها المثل وتجذب اهتمام كبار المحللين وخبراء الحرب الجوية في معاهد الدراسات الاستراتيجية العالمية.
وقفت حائرا أمام المدخل الذي يقودني إلى الحديث المفصل عن الضربة المصرية «صِدام».. مقدماتها وتحليلها العلمي ونتائجها ودلالتها بالنسبة لنا كمصريين، وللأمة العربية جمعاء، وللعدو في النهاية.
ولم يكن مبعث حيرتي هو تشعب الموضوع، ولا كثرة التفاصيل المحيطة بالضربة «صِدام»، ولكن مبعثها، هو ذلك الموقف الفكري الشاذ، الذي وقفه العدو الإسرائيلي من المقاتل المصري بالذات، بصورة تجاوزت الحدود التي يمكن أن يصل إليها عدو في هجومه النفسي والدعائي على مقاتلي خصمه، بحيث ينحدر إلى مستوى لا أخلاقي، أقل ما يوصف به أنه يدل على انحراف واضح في مكونات الفكر العسكري الإسرائيلي بصفة خاصة.
لهذا كان لا بد من كلمة توضح أسرار هذا الموقف الفكري الشاذ، الذي تعرض له المقاتل المصري عموما ـ والمقاتل الجوي خصوصا.. وكلمتي هنا ـ في بداية الحديث عن «صِدام» ـ ليست دفاعا عن المقاتل المصري، لأن هذا المقاتل الشجاع قدم للعالم كله في حرب أكتوبر، دفاعا عمليا عن شرفه وكفاءته وقدراته كمقاتل يشرف الأمة التي أنجبته، ولكن كلمتي هذه هي ـ أولا وأخيرا ـ دفاع عن الحقيقة التي ظلمها العدو، وإنصاف للتاريخ الذي تجنت عليه كل ما كتبه دعاة إسرائيل ومفكروها عن «المقاتل المصري» بالذات، وعن الإنسان المصري عموما.
وإذا كانت هذه الحملة الضارية التي تشنها دعايات العدو ضدنا، قد بلغت قمة كثافتها وتركيزها، عقب النصر السريع الذي حققته إسرائيل في معارك يونيو 1967، فإن الدارس المحقق ـ الذي يتتبع أصول هذه الكراهية العميقة التي يكنها الفكر الصهيوني لمصر والمصريين ـ ترجع إلى عهود موغلة في القدم ولكنها استمرت عبر عصور التاريخ المختلفة.
لقد اقتنع المقاتل الإسرائيلي ـ الوريث المعاصر للفكر المتحجر بكل عقده القديمة ـ بأنه إنسان متفوق، يواجه خصما ـ مصريا ـ متخلفا، ولا جلد له على الحرب، ولا قدرة لديه على استيعاب فنون القتال الحديث. وبسبب الدعاية الإسرائيلية اقتنعت القوى الكبرى ـ ومن ورائها الرأي العام العالمي ـ بأنه لا فائدة من مجرد التعاطف مع العرب، لأن أي محاولة لمساندتهم أو التعاطف معهم، لن تجدي نفعا، أمام ضراوة المقاتل الإسرائيلي المسلح بكل ما هو جديد من فنون الحرب وأدواتها.
وقد أسهمت هذه الحملة النفسية الضارية في غرس صورة ظالمة، وباطلة من أساسها، في نفس الإنسان العربي عموما، تدفع به إلى فقدان الثقة في نفسه، بعد أن يفقد الثقة في المقاتل المصري ـ طليعة القوة العسكرية العربية ـ بحيث ينتهي الأمر بالشعب العربي كله إلى الاستسلام ـ الكامل ـ لمشيئة العسكرية الإسرائيلية، والقبول بكل ما تفرضه على الإنسان العربي من مذلة وهوان.
الأمر اللافت والمثير للسخرية حقا، أن هذه الفلسفة غير الأخلاقية، قد فشلت بالنسبة للرأي العام العالمي، كما فشلت فشلا ذريعا بالنسبة للإنسان العربي عامة ـ والإنسان المصري بصفة خاصة ـ في الوقت الذي نجحت فيه هذه الفلسفة بالنسبة للوجود الإسرائيلي. بحيث تردت به في منزلق الوهم، وأوقعته في مصيدة أحلام كاذبة، ومعايشة الخيال المريض، الذي استيقظ منه الإسرائيلي فزعا، عندما سقطت السماء فوق إسرائيل يوم 6 أكتوبر.
لقد اعترف بذلك «إبراهام كاتزر» ـ رئيس دولة إسرائيل في الحديث الذي وجهه لمواطنيه يوم 24 أكتوبر ـ العام 1973 ـ وكشف به عن بشاعة الأكذوبة التي عاشت إسرائيل في ظلها سنوات، كما فضح به دون قصد، بشاعة الموقف غير الأخلاقي الذي وقفه الفكر الإسرائيلي من العرب عامة، ومن مصر بصفة خاصة، عندما قال بالنص «لقد كنا نعيش فيما بين عامي 1967 و1973، في نشوة لم تكن الظروف تبررها».
وقال : «هذه الحالة النفسية هي المسؤولة عن الأخطاء التي حدثت قبل حرب أكتوبر، وفي الأيام الأولى للحرب، لأنها كانت «قد تفشت» في كل المجالات العسكرية والسياسية والاجتماعية، وأحدثت فيها مواطن ضعف خطيرة يجب على الإسرائيليين جميعا أن يتحملوا مسؤوليتها، وعلينا جميعا أن نتعلم من هذه الحرب الفظيعة؛ أن نكون أكثر تواضعا».
خطبة «إبراهام كاتزر» تقطع بوجود أمرين محددين:
الأول: إن المجتمع الإسرائيلي ـ قبل 6 أكتوبر 1973 ـ كان يعيش في وهم كبير، وعالم خيالي لا صلة له بالواقع.
الثاني: إن هذا الوهم الذي يسيطر على المجتمع الإسرائيلي، عزل هذا المجتمع عن الواقع الذي يمثله حجم إسرائيل وقدراتها الحقيقية، كما عزله عن الواقع العربي الذي كان يتحرك بسرعة هائلة لتصحيح أخطائه والاستفادة من دروس التجربة. وهذا الوهم نفسه هو الذي أدى إلى وقوع الأخطاء القاتلة التي تردى فيها المجتمع الإسرائيلي كله، وانتهى به إلى ما حدث له في 6 أكتوبر.
إن ما حدث في 6 أكتوبر، كان أقوى من كل ما تملكه العسكرية الإسرائيلية من طاقة الكذب والخداع وتضليل الجميع.. والتحليل العلمي الدقيق للضربة المصرية «صِدام» ـ بكل ما نص عليه من حياد وموضوعية ـ ثم.. مقارنتها بعملية «مردخاي هود» ـ «طوق الحمامة» ـ التي نفذها طيارو إسرائيل ضدنا في 5 يونيو.. سيعرف المواطن المصري ـ والإنسان العربي ـ كم تجنت الدعاية الإسرائيلية عليه وعلى مقاتليه الشجعان من طياري سلاح الجو المصري.
كما سيكتشف الرأي العام العالمي، بشاعة الجريمة الأخلاقية التي ارتكبتها العسكرية الإسرائيلية في حق التاريخ الحضاري للإنسان، عندما قامت بأكبر عملية تضليل في التاريخ الحديث، تجاوزت بها كل الحدود المسموح بها في وسائل الحرب الدعائية.
وأخيرا.. سيكتشف الإسرائيلي فظاعة الجريمة التي ارتكبت في حقه، عندما صورت له أبواق دعايته، أنه كائن متفوق حضاريا وممتاز عسكريا، يواجه خصما متخلفا وعاجزا فإذا به يصعق ـ في السادس من أكتوبر 1973 ـ من هول الضربات الساحقة، التي كالها هذا الخصم العملاق.
لن أنسى ما حييت، هذه العبارات التي سمعتها بدمي وأعصابي ـ أكثر مما سمعتها بأذنيّ ـ في إحدى ليالي شهر أكتوبر العام 1972.. على لسان الرئيس أنور السادات.
كان الصمت الذي يخيم علينا جميعا، مهيبا، أمام الموقف الذي كنا نواجهه في تلك الليلة، وأمام الصوت القوي النبرات، الذي أحسست ليلتها أنه يعبر عما في نفسي، ونفس بني وطني جميعا، كان يقول:
«إن شاء الله ربنا يوفقكم.. زي ما قلت لكم.. بأعيد كلامي.. لحظات قدر واتحطينا أمام التحدي.. صعب.. فيه تضحيات وآلام ودم.. ولكن يعلم الله.. أنه مفيش أمامنا حل غيره، يعني حاولت بكل ما أستطيع في السنتين اللي أنا أتوليت فيهم عشان أحاول أخففها ما أمكنش.. وواجهنا الظرف.. والنهاردة زي ما قلت لكم إحنا أمام اختبار قدر..هل إحنا موجودين والاَّ مش موجودين؟ بعد كل اللي عملناه، اللي بنيناه ووفقنا فيه.. هل إحنا موجودين والاَّ مش موجودين؟
«بالنسبة لشعبنا.. بالنسبة للعرب.. بالنسبة لأميركا.. بالنسبة لروسيا صديقتنا.. بالنسبة لغرب أوروبا.. بالنسبة للعالم كله.. هل إحنا موجودين والاّ مش موجودين؟وكفاية سمعنا كلام كتير.. وتجريح كتير.. ولحظة لازم نواجهها.. محكوم علينا من الكل إن إحنا ناس لا قدرة لنا.. خلاص.. مشلولين.. بنقبل هذا.. بنفضل مشلولين.. وحيتحول الشلل إلى عجز مطلق.. نهائي.. ما بنقبلوش.. بنقبل قدرنا، ونخش، ونشتغل على أحسن ما يمكن أن يعطينا العقل اللي ربنا إداه لنا.. والتخطيط السليم.. واستخدام الإمكانات أمثل استخدام، وفي الحدود اللي نستطيع إن إحنا نعمل فيها بعد ذلك.. يفعل الله ما يشاء.. عملنا كل اللي علينا.. وبعد ذلك نواجه قدرنا..
«ماعنديش لكم حاجة أقولها النهاردة غير هذا إطلاقا.. مفيش.. النهاردة مفيش.. لكن واحنا أمام امتحان.. نخش الامتحان.. اللي بارجوه بالنسبة لكم، وبالنسبة لكل الأولاد اللي معاكم.. لازم يكونوا عارفين.. إن إحنا بنعوض نقص كتير بإيماننا بقوتنا.. من استبسالنا.. من استماتتنا بنعوض كتير.. ودي حيكون لها قيمتها إن شاء الله،.. ولن يخذلنا الله سبحانه وتعالى أبدا، ما دمنا مؤمنين، وعلى حق، مش هنخذل أبدا أبدا..
«أنا اللي يهمني في المقام الأول هو بلدي..معروض عليَّ حل جزئي.. معروض فعلا عليّ حل جزئي.. بس أنا مش حاقبله.. وييجي حد غيري يقبله.. أنا بتكويني وبطبيعتي، ما أقبلش حل جزئي، ومازلت مؤمن بالعسكري المصري.. ومؤمن بأننا نستطيع نعمل حاجة.. وأنه أشرف لنا إن إحنا نموت وإحنا واقفين وراسنا في سابع سماء.. عن اننا نتخاذل ونقبل أي حاجة.. وخاصة بعد ما بذلنا كل ما نستطيع وبإخلاص.. وبليالي طويلة مابينامش الإنسان إطلاقا..
الناس كلها مستقرة بره في الصيف وأنا قاعد في المعمورة.. وبالليل.. كنت أقول لابني.. طلعني يا بني بره المعمورة أشم هوا.. وأنا أرجع ما أنامش.. بيانات طويلة.. الشعب طيب.. وأصيل.. واداك اللي عنده.. لحظة ثمنها غالي.. ثمن كبير.. ممكن الواحد ينام طويلا خلاص، وإذا كانت العملية على «الكرسي» نقبل أي حاجة، وندخل في عقول الناس أي تهريج وأي مزايدات وخلاص، أنا ما عملتش هذا أبدا، ولا قيمة للكرسي عندي، إذا ما كانش فيه كرامة.. أبدا.
كان عندي ناس ديك النهار بتكلمني، وقلت والله القرارات.. قرارات 8 يوليو ما تساوي أي شيء.. القرار باكتبه من ثلاثة أسطر لرئيس مجلس الشعب.. يوم ما أحس إني مش كفء، أو يوم ما أحس إن إحنا مش قادرين، أقول لهم.. دوروا على حد تاني يمشِّي، لأني أنا غير كفء إني أمشي في هذه المهمة.. ما بيساوي عندي شيء، ولا بيزود ولا بينقص عليَّ حاجة..
إحنا أمام امتحان قدام شعبنا في المقام الأول.. قدام رجولتنا.. تاريخنا كله.. قدام أجيالنا اللي جاية.. هل إحنا موجودين، والاّ مش موجودين..ربنا يوفقكم.. وشكرا..».
بهذه العبارات التي أنهى بها الرئيس السادات حديثه التاريخي الذي نفذ إلى قلوب الحاضرين جميعا - وهز وجدانهم من الأعماق - انتهى اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي دعينا لحضوره على عجل مساء الرابع والعشرين من أكتوبر العام 1972.
أرجو ألا أكون مبالغا في إحساسي، إذا قلت، إنني شعرت ليلتها بأن حديث القائد الأعلى عن «اختبار القدر الذي نواجهه» وتساؤله ـ الذي أحسسنا جميعا بأنه نابع من وجدانه - حول «إحنا موجودين ولاّ مش موجودين».. ثم إحساسه بالألم وهو يقول «وكفاية سمعنا كلام كتير.. وتجريح كتير.. ولحظة لازم نواجهها.. محكوم علينا من الكل إن إحنا ناس لا قدرة لنا.. خلاص.. مشلولين».. كل هذا.. أحسست بأنه تعبير عن مشاعر الرجال في القوات الجوية، التي تحملت ما لم يتحمله سلاح جوي في العالم من اتهامات ظالمة، أراد العدو بها أن يهز ثقة مصر في سلاحها الجوي، وفي طيارها المقاتل.. بل إن بعض القيادات السابقة - ممن كانوا في موضع المسؤولية أثناء «وقوع هزيمة» 5 يونيو 1967 - لم يتورعوا عن التهجم على قواتنا الجوية، واعتبروها «الشماعة» التي تحمل أخطاء الآخرين، كنوع من الدفاع الهروبي عن أخطائهم الشخصية في تلك العمليات.
أحسست ليلة الرابع والعشرين من أكتوبر 1972 - سواء أثناء الاجتماع أو بعد انتهائه، ثم في بيتي وطوال ليلة مشحونة بالأرق والعواطف والفكر. والشعور الرهيب بضخامة المسؤولية التي تنتظرنا..
.. أوجز السادات المعنى: «إحنا أمام امتحان قدام شعبنا في المقام الأول.. قدام رجولتنا.. تاريخنا كله.. قدام أجيالنا اللي جاية.. هل إحنا موجودين والاّ مش موجودين».
وإذا كان المنطق الجدلي يسمح بوجود أكثر من إجابة للسؤال الواحد، فإن هذا السؤال بالذات لم تكن له إلا إجابة واحدة.. أن نثبت للعالم ولشعبنا المصري - ولأمتنا العربية - أننا موجودون، وأن يعترف العدو الذي طالما تجنى على المقاتل المصري - في البر والبحر والجو - بأن هذا المقاتل موجود بالفعل، وقادر على تدمير خصمه في مواجهة صِدامية دامية.
لقد أصدر القائد الأعلى قراره التاريخي - يوم 8 يوليو ـ كمقدمة حتمية، لإعداد مصري خالص للمعركة، وإذا كانت التفسيرات - وقت صدور القرار - قد تباينت حول دوافعه وأهدافه، فإننا - نحن رجال القوات المسلحة المصرية - لم نتردد لحظة في فَهم المغزى الحقيقي للقرار، الذي أراد أن يحمي شرف العسكرية المصرية، من أي ادعاء قد يتطاول به أحد، ليمس قدرة العقل المصري على التخطيط العسكري، على أعلى مستويات التخطيط القائم على استيعاب فنون الحرب الحديثة، والمعرفة الكاملة بقواعد الفكر العسكري المعاصر.
كنا - في القوات المسلحة على اختلاف أفرعها وأسلحتها ـ توقعنا بعد صدور قرار إنهاء مهمة الخبراء السوفيات، اقتراب موعد المعركة.. إذ بعد ثلاثة أشهر ونصف من صدور القرار دعا السادات إلى عقد اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ليضعنا أمام مسؤوليتنا التاريخية، وأمام قدرنا الذي لا بد من مواجهته، لكي نفي بحق هذا الشعب علينا، بعد أن أعطانا هذا الشعب الطيب الأصيل كل ما أردنا، ولم يبخل علينا بشيء.
في تلك الليلة لم يحدد ساعة الصفر لكنه على الأقل أعطانا الضوء الأخضر، كي نتحرك بسرعة - كلٌّ في مجاله ـ لإعداد خططنا التي ستوضع موضع التنفيذ، عندما تحين اللحظة التاريخية، التي طال بالرجال الشوق للقائها.. بعد أن قضوا حتى تلك الليلة أكثر من ست سنوات في تدريب شاق وإعداد متواصل.. وطال بشعبنا المصري، وأمتنا العربية الصبر في انتظارها.
في تلك الليلة التي لا تنسى سألت نفسي: إذا كانت مهمة قواتنا البرية - عندما تشتعل المعركة - معروفة مقدما، وواضحة المعالم أمام الرجال، الذين عليهم أن يعبروا القناة، ويحطموا الأسطورة التي سماها العدو «خط بارليف» ثم يندفعوا شرقا لكي يدمروا قوات الدعم التعبوي والاستراتيجي التي سيدفع بها العدو إلى الأمام.
وإذا كانت بحريتنا المصرية، تعرف مهامها القتالية والهجومية في المعركة المقبلة، بعد أن مارستها بنجاح ساحق، في العمليات التي دخلتها ضد العدو، سواء بحماية مياهنا الإقليمية، والتسلل الناجح لضرب أهداف العدو البحرية - الثابتة في الموانئ، أو القطع المتحركة في البحر - وكذلك في عمليات المعاونة لباقي أفرع القوات المسلحة، كعمليات المعاونة في الإمداد والإنزال البحري للقوات..
إذن ما الدور الذي يجب أن تقوم به قوات السلاح الجوي المصري، في المعركة، لكي تسترد شرفها العسكري من جهة، وتثبت وجودها المؤثر في العمليات، سواء بالدعم والمعاونة والحماية لقواتنا الزاحفة في الخطوط الأمامية وأهدافنا الحيوية داخل العمق المصري، أو بالعمليات الهجومية المستمرة - طوال العمليات - بحيث تذيق قوات العدو مرارة القصف الجوي المركز، التي تجرعها مقاتلنا البري في عمليات 1956و 1967.
قلت لنفسي : لو كان سلاحنا الجوي، يستعد لدخول المعركة المقبلة، في ظروف عادية، كغيره من الأسلحة الجوية في العالم، لكفاه أن يقوم بالدور التقليدي للقوات الجوية، من طلعات هجومية وقتالية، تحقق للقوات البرية الحماية الجوية اللازمة، وتوفر الدعم اللازم لضرباتها الهجومية على مسرح العمليات.
ولكن سلاحنا الجوي يدخل المعركة، وهو محمل بأوزار ضربتين جويتين - في عاميّ 1956و1967 - خرج على أثرهما من المعركة قبل أن تتاح له فرصة لإثبات وجوده وقدراته..وإذا كان «الدواء من جنس الداء» - كما تقول الحكمة العربية المأثورة - فإن استرداد سلاحنا الجوي لثأره من العدو، ودفاعه عن شرفه العسكري، يجب أن يبدأ من نقطة محددة لا بديل لها، هي الرد على العدو بنفس اللغة.
لقد تعرض هذا السلاح - مرتين - لضربة جوية مركزة، حطمت الجزء الأكبر من طائراته، وهي جاثمة على الأرض، وحرمت الطيار المصري المقاتل من وسيلته الفعالة لإثبات وجوده، وعرضته لأبشع ما يتعرض له مقاتل وهو «التشكيك في شجاعته.. وفي قدرته على مواجهة خصمه، بل التشكيك أصلا في صلاحيته لعبء القتال الجوي». ذلك التشكيك الذي يدمي النفس ويجرح الكرامة، والذي عبر الرئيس القائد الأعلى عن إحساس الرجال به حين قال «وكفاية سمعنا كلام كتير.. وتجريح كتير».
يجب أن يدفع العدو ثمن فعلته.. والثمن الغالي هو - في الوقت نفسه - العلاج الوحيد الذي يشفي جرح الإهانة التي وجهت لنا - نحن رجال السلاح الجوي - بضربة جوية مركزة يقوم بها طيارونا المقاتلون، ضد مطارات العدو ومواقعه العسكرية المؤثرة.. ضربة ذات حجم هائل.. لا نقلد فيها أحدا.. سواء على مستوى التخطيط المحكم، أو التنفيذ الدقيق - ونلقن العدو بها درس العمر، ونعلمه احترام الطيار المصري ونرد لهذا الطيار سمعته، ونعيد إليه مكانته التي هو جدير بها بين شعبه، ووسط قواته المسلحة الأم.
هكذا ولدت الفكرة الأولى.. للضربة «صِدام».. بمعناها وأبعادها وفلسفتها وأهدافها.
في ضوء هذا: ما هي أبعاد العملية «صِدام» التي رد بها طيارونا المقاتلون ردا عمليا حاسما على كل ما وجه إليهم من إهانات، قبل 6 أكتوبر 1973؟ وما المقدمات الأساسية التي تمت دراستها قبل التحضير للعملية ذاتها؟ وما القواعد التي قامت عليها - سواء في التخطيط أو التنفيذ - بحيث تصل إلى تحقيق أهداف معينة لا تزيد عليها ولا تنقص؟ وما هو الجديد، وما التقليدي في العملية من بدايتها كفكرة إلى نهايتها المادية، كضربة جوية مركزة، أحدثت ما أحدثته من دمار على الجانب المعادي، بأدنى قدر من الخسائر في طائراتنا المهاجمة، وبأعلى نسبة من إصابة الأهداف والدمار الذي لحق بالعدو؟ ثم ما الفوارق الأساسية التي تفرق بين «عملية طوق الحمامة» الإسرائيلية وعملية «صِدام» المصرية، وما الميزات الواضحة، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ، التي تدفع المحلل العسكري - المحايد - إلى الحكم بتفوق العملية المصرية، على العملية الإسرائيلية؟
في بداية تحليلنا للعملية «صِدام» لا بد من الإشارة إلى بعض الحقائق المهمة، التي اعتبرتها قيادة الجو المصرية - وهي بسبيل التخطيط العلمي للعملية - مقدمات أساسية، لا بد من احترامها، والتصرف على أساسها سواء في مرحلة التخطيط النظري البحت للعملية، أو التحضير لها أو التدريب العملي على تنفيذها.
أولى الحقائق التي راعتها قيادة الجو المصرية - في تخطيطها للعملية «صِدام» - هي «تحديد موقفها من العدو الجوي» موضوعيا، يصل إلى حد الصرامة في واقعيته، دون تهوين أمر هذا العدو أو انتقاص من قدراته الحقيقية، ودون تهويل أو مبالغة في تقدير ما يملكه العدو من عتاد وخبرة قتالية.
ميزة هذه الموضوعية في تقدير قوة العدو، أنها تحمي واضع الخطة أولاً، من الانسياق وراء أحلام يقظة كاذبة، قد يرتفع بها الغرور وخداع النفس، إلى مستوى الحقيقة الواقعة، الأمر الذي يدفع المخطط إلى منزلق بالغ الخطورة.. يؤدي به إلى بناء خطته على أساس غير حقيقي، بحيث تنتهي الخطة عند وضعها موضع التنفيذ على مسرح العمليات إلى كارثة قومية، إذا كان قد استهان بقوة الخصم، أو إلى تجميد قواته الجوية، إذا كان قد بالغ في تقدير قوة عدوه الجوي.
كما أن الموضوعية في وزن قدرات العدو الجوي، تحمي الطيار المقاتل الذي يعهد إليه بتنفيذ الخطة، من المفاجآت غير المحسوبة، التي تعرض الطيار لصدمة نفسية خطيرة، حين يكتشف أن قيادته قد ضللته - بالجهل أو بالخديعة - عن حقيقة عدوه، فضلا عما يتعرض له الطيار بسبب المفاجآت غير المحسوبة من كمائن جوية، أو غيرها من مخاطر الحرب الجوية غير المدروسة.
من هذه الحقيقة الأساسية، تحركت قيادة الجو المصرية - وهي تخطط للعملية «صِدام» - على أساس أن الطيار المصري المقاتل، سيواجه عدوا مدربا تدريبا جيدا، ووراءه رصيد من الخبرة والممارسة القتالية - سواء في عمليات 5 يونيو، أو ما تلاها من عمليات قام بها العدو طوال مراحل «الصمود» و«الردع» و«الاستنزاف» التي سبقت 6 أكتوبر.
بالإضافة إلى ذلك هناك حقيقة ما يملكه العدو من إمكانات عالية المستوى في العتاد والسلاح الجوي، تجعل الطيار الإسرائيلي مزودًا - من الناحية النفسية على الأقل - بكفاءة معنوية عالية، يمده بها إحساسه بالاطمئنان الكامل إلى طائرته وإمكاناتها العالية، كما أن خروج سلاح الجو الإسرائيلي سليما - في عمليات العدوان الثلاثي العام 1956 - وانتصاره السريع في عمليات 5 يونيو 1967، من العوامل التي تزيد من ثقة الطيار الإسرائيلي بنفسه.. وكلها عوامل قدرتها قيادة الجو المصرية حق قدرها، وهي تخطط لعملية «صِدام».
صحيح أن سلاح الجو المصري كان - قبيل السادس من أكتوبر - قد انتقل إلى مرحلة، تعتبر بالمقاييس العسكرية السليمة، مناقضة تماما، لما كان عليه السلاح نفسه العام 1967، سواء من حيث التنظيم العام لهيكل السلاح وأجهزته ووحداته، أو من حيث الأسلوب العلمي الذي يدور به العمل تخطيطا وتدريبا.. ولكن هذا المستوى المرتفع الذي حققه سلاحنا الجوي، لم يدفع بقيادته إلى الوقوع في مصيدة الغرور، ومركب العظمة، أو تجاهل حقيقة الخصم، وما يملكه من قدرات.
هذه الواقعية في النظرة إلى العدو ـ التي تمثل أعلى مستويات الصدق مع النفس - هي التي حمت الطيار المصري المقاتل - ظهر السادس من أكتوبر - من التعرض لمفاجآت غير محسوبة، وهي التي ضمنت لسلاحنا الجوي، الاستمرار في القيام بواجباته القتالية والهجومية، طوال أيام المعارك، بحيث كانت قواتنا الجوية - كما قال الفريق أول محمد عبدالغني الجمسي القائد العام للقوات المسلحة ونائب رئيس الوزراء ووزير الحربية - «هي التي بدأت الحرب وهي التي أنهتها».
بمقتضى القواعد السليمة للفكر العسكري، فإن واقعية المخطط في نظرته للعدو وتقييمه لقدراته القتالية، تؤدي بالضرورة إلى الواقعية في تحديد «أهداف العملية» التي يخطط لها، بحيث لا يندفع واضع الخطة، وراء أهداف جنونية، قد تبدو براقة ومغرية، ولكن الاستسلام لبريقها الخداع، يحمل في ثناياه مخاطر الوقوع في كارثة مدمرة.
هنا يبرز الفارق الأول بين موضوعية العملية المصرية «صِدام» - في نظرتها للعدو الإسرائيلي - وبين جنون عملية «طوق الحمامة» الإسرائيلية واستهتار مخططها العام 67 ـ ويكفي أن نسأل الجنرال «هود».. ما هو المصير الذي كان سيلاقيه طياروك في 5 يونيو، لو أن قيادة الجو المصرية، أجرت تعديلا واحدا مفاجئا، على الأسس التي بنيت عليها خطتك كلها؟
وعلى سبيل المثال.. ما الذي كان سيحدث صباح الاثنين 5 يونيو، لو أن سلاح الجو المصري تخلص - في ذلك اليوم - من نظرية «أول ضوء» التي تحدد ساعات الخطر الجوي المعادي، بالفترة الواقعة بين شروق الشمس وبين التاسعة صباحا، وقد كانت هناك أصوات مصرية تنادي بهذا التعديل..؟.. وما موقف طياريك عندما يصدمون بوجود مظلة حماية جوية - من طائراتنا المقاتلة - تتصدى لهم بنيرانها، قبل أن يصلوا إلى المطارات المصرية؟
والإجابة معروفة مقدما.. لو أن قيادة الجو المصرية، أقدمت على إجراء هذا التعديل الوحيد في خطتها الدفاعية، لانهارت عملية «طوق الحمامة» من أساسها، ولتحولت الضربة المكثفة التي تلقاها الطيران المصري - صباح 5 يونيو - إلى مطرقة هائلة تدق رأس الجنرال «هود»، وتسحق طياريه الذين قاموا بتنفيذ عملية بنيت على مخالفة صارخة لمبدأ مهم من أخطر مبادئ التخطيط القتالي، وهو «الموضوعية في تقدير قوة العدو».
مثال آخر على عدم الموضوعية في تقدير قوة الخصم، التي اتسمت بها خطة الجنرال «هود»، وهو أنه بنى خطته أساسا على افتراض نظري بحت؛ وهو أن سلاح الجو المصري لا يملك - في العام 1967 - أجهزة رادار تعمل في الطبقات المنخفضة، وبالتالي وضع خطته على أساس اقتراب طائراته من أهدافه وهي تطير على ارتفاعات منخفضة، وإذا كان الحظ الحسن وحده، قد لعب دوره في هذا الجانب، ونفذت عملية «طوق الحمامة» دون أن تنجح شبكة الرادار المصرية - ذات النبضات العالية الارتفاع - في اكتشاف الطائرات الإسرائيلية، فما المصير الذي كان ينتظر هذه الطائرات، لو أن سلاح الجو المصري، كان قد حصل - بطريقة سرية -على شبكة رادار ذات نبضات قادرة على العمل في الارتفاعات المنخفضة؟
وبعكس هذا الاستهتار الكامل بالعدو - الذي يتجلى كعيب واضح يدين واضع خطة «طوق الحمامة» الإسرائيلية - نجد العملية المصرية «صِدام» تنطلق من أساس موضوعي في نظرتها للعدو وقدراته الحقيقية، بحيث تتجه إلى تحقيق أهداف محددة - سنتعرض لها بالتفصيل - دون أن تتجاوز هذه الأهداف إلى مغامرات جنونية قد يدفع إليها الاغترار بالنفس، أو تجاهل قدرات الخصم، حتى في أثناء التخطيط لتفاصيل العملية «صِدام» نجد العدد الذي قام بتنفيذها من طائراتنا - وهو اثنتان وعشرون ومائتا طائرة من مختلف الأنواع - فضلا عن طائرات الحماية والاعتراض، يشير إلى أن المخطط الجوي المصري، وضع في حساباته الدقيقة، كل احتمالات المخاطر المفاجئة التي يمكن أن تتعرض لها العمليات أثناء التنفيذ، سواء من حيث وسائل الإنذار المعادي المبكر - التي يملك العدو أحدث أنواعها - أو من حيث وسائل الدفاع الجوي الثابتة والمتحركة.
هذا الحساب الدقيق للمخاطر والمفاجآت المحتملة من جانب العدو - الذي لم نتجاهل ما عنده من وسائل وإمكانات وخبرة - هو الذي أدى إلى نجاح الطائرات المصرية في تنفيذ ضربتها المركزة «صِدام»، وعجز العدو عن التصدي لهذا العدد المخيف من الطائرات - الذي لم يسبق أن اشترك مثله في عملية هجومية واحدة - بل إن كثافة عدد الطائرات المصرية المغيرة - فضلا عن قدرتها على إحداث أكبر قدر من التدمير للعدو بسرعة وفي وقت واحد - أدت أيضا إلى نتيجة رائعة كانت محسوبة تماما، وهي إصابة طياري العدو بالفزع والرعب، وهم يشاهدون سلاحنا الجوي يهاجمهم بهذه الكثافة والإصرار، الأمر الذي أدى إلى اهتزاز ثقتهم بقيادتهم التي خدعتهم طويلا، وهونت لهم كثيرا من أمر سلاح الجو المصري وأمر طياريه.
رد الفعل الطبيعي لمثل هذه الصدمة النفسية - كما تؤكد أبحاث علم النفس الحربي - هو انخفاض الكفاءة النفسية للطيار المقاتل وما يتبعه من انخفاض قدراته القتالية وهبوط مستواه وعجزه عن التحكم في طائرته والاستفادة من إمكاناتها العالية.. وهو ما حدث بالفعل في الساعة الثانية وخمس دقائق من بعد ظهر 6 أكتوبر بالنسبة للطيارين الإسرائيليين، الذين فكروا - بعد فوات الأوان - في القيام بعمليات التصدي المهزوزة لطيارينا أثناء تنفيذ العملية «صِدام».
بنفس الموضوعية التي نظرنا بها للطيار الإسرائيلي - قبل 6 أكتوبر - نقرر الآن، وبحيادية مطلقة، أن ضعف هذا الطيار الذي بدا واضحا أمام طيارينا، وعجزه عن التصدي لنا في ذلك اليوم، لم يكن مرجعه إلى عدم خبرة طياري سلاح الجو الإسرائيلي، أو هبوط مستواهم التدريبي والقتالي بوجه عام.. ولكن هذا الضعف الذي اعترف به الجميع يرجع إلى تجاهل العدو لقدرات طيارينا - ذلك التجاهل الذي استمر سنوات - كما يرجع إلى موضوعية قيادة الجو المصرية في تقديرها للقدرات الحقيقية للعدو، واستعدادها الجيد، لما تفرضه عليها معرفتها الموضوعية بهذا العدو.
ببساطة شديدة: كان العدو مغرورا بنفسه، مستهينا بنا..وكنا واثقين من أنفسنا، وعارفين بقدرة العدو، مؤمنين بأنه أشرف لنا - في ساحة العمليات - أن ننتصر على عدو ذي خبرة وإمكانات، ونعد للنصر عليه ما استطعنا، من أن ننتصر دون جهد، على عدو مستضعف بلا حول ولا طول.
أما الحقيقة الثانية التي وضعتها قيادة الجو المصرية - وهي بسبيل وضع الخطة «صِدام» - فهي توقع «المفاجآت» من العدو، احتراما من هذه القيادة، لمبدأ «إن العدو عنده دائما ما يخفيه»، وضمانا للوصول بالخطة المصرية، إلى تحقيق الهدف المحدد لها، حتى لو تعرض التنفيذ لأي مفاجآت يكون العدو قد أحكم إخفاءها في الفترة السابقة للعمليات، وما يمكن أن ينتج عن هذه المفاجآت، من تعويق ولو جزئي لأهداف الضربة الجوية.
أكشف الآن واحدا من أسرار التخطيط الشامل لحرب أكتوبر 1973 - بوجه عام - والتخطيط للقوات الجوية - بوجه خاص - التي كان قد تقرر على مستوى القيادة العليا، أن تكون الضربة الجوية المركزة التي تقوم بها، هي الضربة الأولى والأساسية، التي تشتعل بعدها الجبهة، ويندفع الرجال لعبور القناة، والالتحام بالعدو المتحصن في دشم ومواقع خط بارليف.
هذا السر الذي أكشفه الآن، يقدم الدليل الحاسم، على أن المخطط الجوي المصري - أثناء وضعه لتفاصيل العملية «صِدام» - كان واقعيا إلى أبعد الحدود، وصادقا تماما - سواء مع نفسه، في حدود بمعرفته بإمكانات سلاحه الجوي، أو مع معرفته الدقيقة بما يتمتع به العدو من ظروف مواتية.. من هذه الواقعية.. ولكي أفصح عن هذا السر بطريقة منطقية متراتبة.. فإنني أحدد خطوات خطة ضربتنا وكيف تم رسمها وتوقع احتمالاتها:
1- في الموعد المحدد لبدء العملية «صِدام» - أي الساعة 2.05 - تندفع الطائرات المصرية، المكلفة بالمهمة، شرقا، وتخترق خط الجبهة، حيث تقوم - وفي وقت واحد، تم حسابه بالثانية - بقصف مركز للأهداف والمواقع المعادية، التي رؤي - سواء على مستوى التخطيط المتخصص للقوات الجوية، أو على مستوى التخطيط الشامل لقواتنا المسلحة كلها ـ أنه لا بد من تدميرها، وإسكاتها تماما، قبل اندلاع الحرب، حتى نوفر لقواتنا التي ستعبر القناة بعد نجاح الضربة الجوية، أقصى ما يمكن توفيره، من ضمانات الأمن، وعدم التعويق المؤثر لمجهودها الرئيس في العمليات.
أستطيع أن أؤكد أن التخطيط لهذه الضربة الجوية، قد تم بعناية شاملة، وأن الدراسات التي توفرت للمخطط الجوي المصري، شملت كل ما يتصل بالعملية على الجانبين المصري والإسرائيلي، بحيث تتوافر للخطة - وللطيار المصري المقاتل الذي سيكلف بتنفيذها - أقصى ضمانات النجاح.
لو أن المخطط الجوي المصري، اكتفى بهذا الجهد الشاق، الذي بذله في دراسة كل ما يتصل بالضربة الجوية التي يخطط لها بعناية - تبلغ حد الحذر والتدقيق الصارم في كل شيء - لما كان هناك ما قد يؤخذ عليه، ولجاز له أن يعلن - بينه وبين نفسه على الأقل - أنه قام بواجبه على الوجه الأكمل، في وضع خطة محكمة الإعداد.
وهنا ينكشف السر الذي أشرت إليه، وهو أن المخطط الجوي المصري، وضع في حساباته الدقيقة، احتمال نجاح العدو في استخدام ما قد يكون عنده من إمكانات غير معروفة لنا، بحيث يتمكن من امتصاص جزء كبير من تأثير الضربة الجوية التي سنوجهها لمواقعه وأهدافه المؤثرة، في الساعة 2.05 بعد ظهر السادس من أكتوبر..وفي مواجهة هذا الاحتمال، بادر واضع الخطة المصرية، إلى التفكير في الحل السريع الذي يضمن تحقيق أهداف الضربة الجوية بأعلى نسبة من إصابة الأهداف، وبأقل قدر من الخسائر بين طائراتنا، وهذا الحل الذي نزيح الستار عنه الآن، يتمثل في ما يلي:
2- أن تقوم قواتنا الجوية - في تمام الساعة الرابعة والنصف بعد ظهر 6 أكتوبر - أي بعد مرور نحو الساعتين والنصف، بتوجيه ضربة جوية ثانية، بنفس المستوى العالي من التركيز، وعلى الأهداف نفسها التي تم قصفها في الضربة الأولى.
أهمية الحل الذي فكر فيه المخطط الجوي المصري، لمواجهة أي تعويق من العدو لأهداف الضربة الأولى، تكمن في توضيح الحقائق التي تؤكد صحتها قواعد القتال الجوي الحديث، والتي كانت موضع احترام من المخطط الجوي المصري، وهي:
أولاً: إنه في حالة نجاح العدو الإسرائيلي، في تعويق المجهود الرئيس للضربة الجوية الأولى التي ستقوم بها طائراتنا - الساعة 2.05 - فإن طيارينا المقاتلين، الذين سيشتركون في العمليات الأولى، سيكتشفون الوسائل والإمكانات التي استخدمها العدو في مقاومته لهم، وبالتالي، فإن الضربة الثانية، ستتم، وقد انكشف تكتيك العدو، وأزيح الستار عما كان يخفيه من أساليب قتالية أو إمكانات مستحدثة، الأمر الذي يضعف من تأثير هذه الأساليب المستحدثة - إن وجدت - لأن الطيار المصري المقاتل، عند قيامه بتوجيه الضربة الجوية الثانية، سيكون عارفا بما عند العدو، واثقا من قدرته على التعامل معه، بعد أن زال عنه عنصر المفاجأة، الذي يمكن أن يكون له في وجود الضربة الأولى.
ثانيًا: إن قصر المساحة الزمنية التي تفصل بين الوقت المحدد للضربة الأولى، ووقت توجيه الضربة الثانية، لا يسمح للعدو بالتقاط أنفاسه، وإعادة أهدافه التي أصيبت في الضربة الأولى - أو دُمرت - إلى مستوى الصلاحية المؤثر في مقاومة الضربة الثانية، فضلا عن أن القوات الميدانية العاملة في الواقع التي دمرت - أو أصيبت - في الضربة الأولى، تكون كفاءتهم النفسية، قد هبطت بشكل فعال، يؤثر على كفاءتهم القتالية، التي لن تسعفهم في مقاومة الضربة الثانية.
ثالثًا: إنه في حالة نجاح العدو في امتصاص الجزء الأكبر، من الآثار التدميرية التي أحدثتها الضربة المركزة الأولى، فالأمر المؤكد، أن الجانب الأكبر من اهتمامات العدو، عقب تلقيه لهذه الضربة المفاجئة، وبالكثافة التي تمت بها، سيتجه إلى محاولة إصلاح ما أعطب أو أصيب من أجهزته وعتاده - إن كانت هناك إمكانية لإصلاحه - ومعنى هذا، أن العدو، سيكون مشغولا طوال هذه الفترة في محاولة حصر الخسائر، وإصلاح ما يمكن إصلاحه من أعطاب، ولن يتجه بمجهوده الرئيس إلى محاولة الرد بضربة جوية انتقامية، قبل الاطمئنان إلى سلامة موقفه، والعودة بهذا الموقف إلى ما هو قريب من المستوى السابق للضربة التي تلقاها.
هنا تتضح للمحلل العسكري، أهمية توجيه الضربة الثانية، التي ستضمن تحقيق النتائج التالية:
1- استمرار التصاعد في الخط البياني، الذي يمثل تدمير أهداف العدو، بحيث نصل بهذا الخط، إلى أقصى نقطة ممكنة، تمثل الهدف النهائي لخطة العملية «صِدام».
2- حرمان العدو من الهدوء الذي قد يساعده على استعواض ما خسره من عتاد ومقاتلين، أو إصلاح ما أعطب من أجهزته ومنشآته نتيجة للضربة الأولى.
3- منع طيران العدو من استخدام المطارات القريبة، في توجيه ضربة انتقامية، سواء ضد قواتنا الزاحفة، أو ضد أهدافنا العسكرية أو المدنية.
4- توفير الحماية اللازمة لقواتنا البرية، في ساعات العبور الأولى، وذلك بمنع طيران العدو، الذي دمرت - أو أعطبت - مطاراته القريبة، ومواقعه المؤثرة، من القيام بأي عمليات هجومية، تعوق المجهود الرئيس لهذه القوات، خصوصا في لحظات إنشاء رؤوس الكباري وتأمينها، التي تعتبر أخطر مراحل العبور.
هكذا يكشف لنا هذا السر أن قيادة الجو المصرية، وهي تخطط للعملية «صِدام» كانت مصممة على أن تحقق هذه العملية أهدافها على أعلى مستوى، ولكي تضمن القيادة المصرية هذه النتيجة، فقد خططت للقيام بضربتين جويتين مركزيتين - لا يفصل بينهما سوى ساعتين ونصف الساعة فقط - بحيث تؤدي الضربة الثانية إلى تحقيق أهداف العملية «صِدام» تحقيقا كاملا.
وإذا كانت الضربة الأولى قد نجحت في تحقيق الأهداف المطلوبة نجاحا ساحقا، أدى إلى الاستغناء عن توجيه الضربة المركزة الثانية التي كانت موضوعة في الخطة، فإن هذا النجاح نفسه، يعطينا المؤشر الصادق، والدليل الحاسم، على سلامة العملية «صِدام» والمستوى الرفيع الذي حققه الإنسان المصري في هذه العملية، سواء كمخطط عسكري متمكن من فنه، أو كطيار مقاتل يتمتع بخبرة عالية، وروح معنوية قوية وقدرات قتالية مرتفعة تضعه على قدم المساواة، مع أحدث طياري العالم المقاتلين.
ترى ما رأي جنرال الجو الإسرائيلي «مردخاي هود» صاحب عملية «طوق الحمامة» - التي كادت العسكرية الإسرائيلية أن تفرضها على التاريخ العسكري، باعتبارها خطة إسرائيلية، وهي لا تعدو في حقيقتها، أن تكون نسخة مقلدة من الأصل الإنجلوفرنسي، الذي نفذ ضدنا عام 1956 -.. ترى ما رأي الجنرال «هود»، في هذا التمهيد العلمي الدقيق، الذي اعتبره المخطط الجوي المصري نقطة البداية الأولى، في إعداده لخطة الضربة الجوية المصرية «صِدام».
وما رأي «مردخاي هود» - ومن ورائه كل جنرالات الجو الإسرائيليين، وكل صقور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية - في ذكاء المخطط الجوي المصري، وفي قدرته الواضحة، على الاستفادة إلى أقصى حد، من نظريات وقواعد القتال الجوي الحديث، لكي يضمن لخطته الهجومية، أكبر قدر من النجاح، ويوفر لطياريه - عن طريق الدراسة الجادة - كل ما يستطيع توفيره من ضمانات، ضد المفاجآت غير المحسوبة، وعمليات الإجهاض المضاد، التي تعوق الضربة المصرية، وتنحرف بمجهودها الرئيس عن أهدافه الأساسية.
ألا يعتبر «الجنرال هود» كل هذا، دعوة - غير مباشرة - للفكر، يوجهها الطيار المصري المقاتل - الذي أعيدت صياغته على أحدث ما تكون صياغة وإعداد الطيار المقاتل - لكي يفيق خصومه من أحلام اليقظة الكاذبة، التي نعترف بأنها أفادتنا كثيرا، لأنها ساعدتنا على العمل في صمت، ولسنوات طوال، كان العدو فيها مشغولا في اجترار إحساسه البالغ فيه بالنصر، وكنا منصرفين خلالها، إلى العمل والتدريب والإعداد، حتى وصلنا إلى اللحظة التي أقسمنا - عام 1967 - على الوصول إليها، مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحية.. وظهر السادس من أكتوبر، حلت اللحظة المرتقبة.. لحظة فرض الإرادة الجوية المصرية على مسرح العمليات.
وإذا كان التمهيد المبدئي لخطة العملية «صِدام» قد راعى العلمية، واحترام المبادئ الأساسية للفكر العسكري، فما تفاصيل العملية ذاتها، وما الإضافات التي قدمتها هذه الخطة المصرية الخالصة، للفكر العسكري، وفن التخطيط القتالي في الحرب الجوية.
إن الفصول التالية تجيب عن كل هذه الأسئلة، وتكشف في الوقت نفسه ـ وبوضوح لا يحتمل التأويل أو التفسير - عن المصير الذي ينتظر أي محاولة طائشة قد يفكر العدو الجوي في الإقدام عليها، سواء ضد قواعدنا الجوية ومطاراتنا، أو ضد مواقع قواتنا المسلحة بوجه خاص.. أو ضد أهدافنا الحيوية في امتداد العمق المصري بوجه عام.
وهذا المصير الذي نعنيه - والذي ينتظر أي مغامرة جنونية قد يفكر العدو في الإقدام عليها، تقليدا لما حدث في 5 يونيو 1967 - ليس مصيرا افتراضيا، مبعثه الوهم.. ولكن المصير المحتوم سيكون نتيجة حتمية لما يستطيع سلاحنا الجوي أن يصنعه بعدوه - جوا وبرا وبحرا - بعد أن وصل إلى ما وصل إليه من مستوى بالغ الارتفاع، كسلاح جوي بالغ العصرية على جميع مستويات التخطيط، والتنظيم، والإعداد، والتدريب، ذلك المستوى الذي تفصح عنه التفاصيل «العملية.. صِدام».

المصدر: صحيفة الرأي الكويتية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)