إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ملفات | مذكرات | «كلمة السر»... «الراي» تنشر «المذكرات الأولى لحسني مبارك» 1967 - 1973 / الحلقة الأخيرة
المصنفة ايضاً في: مذكرات

«كلمة السر»... «الراي» تنشر «المذكرات الأولى لحسني مبارك» 1967 - 1973 / الحلقة الأخيرة

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة الرأي الكويتية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 13612
قيّم هذا المقال/الخبر:
2.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

لعل أنسب ما يمكن أن يكون مقدمة لهذه المذكرات... هو كلمات سطرها صاحب المذكرات بخط يده، وكتب فيها:
لقد كانت حرب أكتوبر 1973 محكا للتجربة ومحكا للقدرة... على التخطيط... وعلى القتال.. ولقد كتب الله لنا النصر من عنده... وسجلناه بدمائنا... وأرواحنا.
ولقد كان دور القوات الجوية في هذه الحرب بارزا، فلعبت أروع أدوارها على التاريخ كله، وضرب طياروها وضباطها وجنودها وكل رجالها أروع الأمثلة في التضحية والبطولة والفداء.
ولقد كان لي شرف قيادتها خلال المعارك وقبلها وبعدها، ما زادني فخرا بقيادتهم، وإن كان لنا أن نسجل أعمالهم للتاريخ، فإن بطون الكتب أحفظ لأعمالهم، وستبقى هذه الأعمال فخرا للأجيال القادمة.
غير أن أسرار حرب أكتوبر.. ستظل محلا لدراسات مكثفة على المستويات العسكرية والسياسية والشعبية، وإن كانت هذه إحداها فالأمل أن تتلوها آخريات.
ولا تزال آمال أمتنا معلقة بقواتها المسلحة، حتى تستكمل النصر تحت قيادة الرئيس باعث الشرارة الرئيس محمد أنور السادات... والله ولي التوفيق.

محمد حسني مبارك
نائب رئيس الجمهورية

... «الراي»، وفي حلقات متتابعة تنشر بالتزامن مع جريدة «الوطن» المصرية مذكرات الرئيس المصري الأسبق، وعنوانها «كلمة السر، مذكرات محمد حسني مبارك يونيه 1967 - أكتوبر 1973»، التي سجلها وكتبها محمد الشناوي، وحررها وقدمها عبدالله كمال وجُمعت في كتاب يتألف من مقدمة و13 فصلا وخاتمة، بخلاف التقديم.


مبارك: بطولات الجو...
صنعها أيضا فدائيون على الأرض

• المشير أحمد إسماعيل ... منع خبر استشهاد الطيار عاطف السادات عن الرئيس وعندما عرف قال: كلهم أولادي
• كان الشهداء هم العازفون الأوائل لسيمفونية النصر الذين لعبوا أدوارهم بأمانة يحسدهم عليها الأحياء
• العدو لم يكن يدري أن مصر كلها تحارب ... وأن مصر كلها تساند جيشها
• أعظم العمليات الخاصة التي حققتها طائراتنا الهليكوبتر وأطولها أمدًا كانت عمليات الإمداد للجيش الثالث شرق السويس
• عندما تلقت إسرائيل الضربة المصرية أوشكت أن تكون الضربة القاضية  لولا ما تلقته من معونات عسكرية عاجلة
• ضربنا الرقم القياسي للإنكليز في الطلعات اليومية ... بـ 6 طلعات بدلاً من 4
• الطيارون «ضياء ... إيهاب ... عويس» أسقطوا طائرات بأرقام قياسية غير مسبوقة
• الطيار نجيب... شارك في الطلعات ... رغم تحطم غطاء كابينة طائرته
• الطيار فهمي رفض إجازة ليرى مولودته ... حتى لا يتوقف  عن المشاركة
• أبطال طهروا الممرات من القنابل الاهتزازية بأجسادهم
• وحدة التطهير من القنابل  فقدت قائدها ومن تحته حتى أصبحت بقيادة ملازم ... من أجل استمرار المعارك

يقول الحديث النبوي الشريف: عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فإن فيها خير أجناد الأرض». فقال أبوبكر: «ولِمَ يا رسول الله..؟»، قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة».
حيرت منجزات القوات الجوية المصرية في معركة السادس من أكتوبر - رغم قِصَر أمدها نسبيا - كل من تصدى لتقييمها من المحللين. والواقع الذي أجمعت عليه آراء المعلقين العسكريين وخبراء الحرب الجوية في الشرق والغرب، ابتداء من اليوم الثاني للمعركة، هو أن ما حققته وواصلت تحقيقه قواتنا الجوية بنجاح، كان عملا بطوليا بكل مقاييس البطولة في السماء.
والبطولات يصنعها الأفراد... وإذا أردنا أن نقيِّم البطولات المصرية التي تمت في الجو، وقفنا حيارى أمام كونها بطولات أم مواقف إنسانية؟ أم من خوارق الأعمال؟ ثم تزداد حيرتنا... هل هي بطولات فردية أم جماعية؟ وهل أتت عفوًا - كما كان العدو سيزعم لو أنه في مكاننا -، أم كانت أمرا من نتائج المستوى القتالي العالي الذي ينتهي إليه التدريب الجيد والأخذ بالعلم واستيعاب تكنولوجيا الحرب الحديثة.
المواقف متعددة ومختلفة، بعضها راح ضحيته أبطال... وبعضها لا يزال أصحابه أحياء، ولايزال بعضهم سليم البنية، والبعض الآخر يحمل على جسده أوسمة البطولة في صورة عاهة أصيب بها أو جرح أو كسر عالجه الأطباء منه.
هي من وجهة نظري بطولات خارقة، فرضتها روح الفريق، التي عزف نشيدها الجماعي طيارونا المقاتلون أثناء معارك العاشر من رمضان، وساندهم فيها كل ضباط وأفراد وصف ضباط القوات الجوية على جميع تخصصاتهم.
ذلك المستوى شبه الأسطوري ليس استثناء حظي به الطيار الفرد الذي حقق البطولة، ولكنه هو القاعدة الجماعية بالنسبة لشباب قواتنا الجوية من المقاتلين الطيارين، الذين وصلنا بهم - تدريبا وعلما - إلى مستوى يحقق الاستمرار والقدرة المتجددة على تحقيق البطولات.
إذا أردنا أن نسجل تلك الأعمال البطولية جميعها فإن الأمر سيحتاج إلى مجلدات حتى يمكن إعطاء كل ذي حق حقه. إن استعراض عدد من صور البطولة لا على سبيل الحصر، بل كمجرد نماذج لما حققه مقاتلونا الطيارون خلال عمليات السادس من أكتوبر، والوفاء بالعهد الذي قطعه الرجال على أنفسهم، أن يكون لمصرهم الغالية - ولأمتهم العربية جمعاء - درع جوية تحميها.
ومن منطلق المنهج العلمي الذي التزمنا به، أقول إن العمل البطولي ليس مجرد حدث عادي نمر عليه مر الكرام، ولكن البطولات في حقيقتها أعمال ناجحة، لابد أن يسبقها إعداد علمي، ولا يمكن وجود العمل الناجح من فراغ، بل يجب أن يسبقه تدريب مكثف وشاق وتضحيات، كما حدث في حرب الاستنزاف التي كانت خير جامعة عسكرية، تخرج فيها الطيار المصري المقاتل، ليكون على استعداد كامل لمواجهة خصمه.
ولا يمكن أن ننسى دور آلاف الرجال في كل التخصصات الأرضية وتفانيهم في عملهم. الأمر الذي كان خير مشجع للطيار في الجو على التضحية بالنفس، والإتيان بخوارق الأعمال. وصدق الله العظيم حين قال في محكم آياته: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً). [الأحزاب - الآية: 23].
وللحقيقة والتاريخ، فقد كانت القوات الجوية المصرية في معركة أكتوبر 1973 تمثل الفئة الأقل... والقلة في العدد ليست وحدها المعيار الوحيد الذي توزن به الأمور في الحرب عامة، وفي الحرب الجوية بصفة خاصة، وليست هذه القلة عيبا في قواتنا الجوية، فهي على العكس من ذلك، وسام شرف على صدرها، إذ كان عليها بطائرات من طراز سوخوي وميج 17 و21 أن تواجه عدوًّا يعمل على طائرات أكثر تفوقا في الأداء من طراز سكاي هوك وميراج وفانتوم.
وكان عليها أن تقاتل بمدافع وصواريخ وعتاد حربي - قد يكون ضمن ما يعتبر آخر صيحة فيما توصل إليه البشر من وسائل الفتك والدمار - ولكنه دون ما تزود به العدو من وسائل مماثلة من أميركا، ولم تكشف عن سرها لغير إسرائيل، عندما تلقت إسرائيل الضربة المصرية التي أوشكت أن تكون الضربة القاضية لولا ما تلقته من معونات عسكرية عاجلة خلال المعارك.
وكان على قواتنا الجوية، بطياريها الذين لم يتح لهم القدر فرصة الاختبار الحقيقي في معركة حقيقية، أن تواجه سلاح الجو المعادي، وأن تنتزع السيطرة الجوية من قوات جوية قوامها طيارون ممرسون، اكتسبوا خبراتهم في ميادين كوريا وفيتنام وغيرهما، وعرفوا كيف يخرجون منها أحياء.
ولابد من وقفة أمام التاريخ... ليس فيها افتعال... أو تصنع... فأمام الموت... وأمام التضحية بالنفس يصعب ذلك كله. لابد من وقفة إجلال أمام موقف لا ينسى، لبعده الإنساني أولاً، ولمدلوله الحضاري والقومي ثانيًا.
كنت أتلقى «التمام» من القواعد الجوية والمطارات، التي اشتركت في تنفيذ الضربة الأولى «صِدام» - ظهر السادس من أكتوبر - وعلمت أن شهداء هذه الضربة الناجحة هما: المقدم طيار «... كمال» والرائد طيار «عاطف».. ورغم سعادتي البالغة بالنتائج الرائعة التي حققتها «صِدام» ضد العدو، فقد كان ألمي بالغا لفقد الطيارين... اللذين كانا - رحمهما الله - من أكفأ طياريّ القتال المصريين.
أسرعت بإبلاغ نتائج «صِدام» للقيادة العامة للقوات المسلحة، وكنت أعلم أن الرئيس السادات - بوصفه القائد الأعلى - قد اتخذ مكانه على رأس هيئة القيادة في مركز العمليات الرئيس لقواتنا المسلحة قبل أن تبدأ عمليات السادس من أكتوبر، وكان علمي بهذه الحقيقة، سببا في إحساسي بالحرج وأنا أبلغ المغفور له المشير أحمد إسماعيل، بنتائج الضربة الجوية، وباسميّ الشهيدين.. «... كمال» و«عاطف السادات».
إن «عاطف السادات» هو في البدء والنهاية، طيار قاتل كغيره من رجال سلاح الجو المصري - له ما لهم من حقوق، وعليه ما عليهم من واجبات - وألمنا لفقده هو الألم نفسه الذي يعتصرنا لفقد غيره من شهداء قواتنا الجوية، ولكن «أنور السادات» بشر في النهاية، ومن حقه أن يشعر بأحاسيس غيره من البشر، عندما يفاجأ الأخ الأكبر بنبأ استشهاد أخيه الأصغر، الذي كان بالنسبة له في مكانة الابن العزيز.
لا شك أن هذا الإحساس بالحرج، والفهم الإنساني للطبيعة البشرية. والتقدير المرهف لحساسية الموقف، هو الذي دفع المشير إلى احتباس خبر استشهاد «عاطف السادات» عن شقيقه «أنور السادات» بضعة أيام. موقف إنساني من المشير أحمد إسماعيل، لعله أراد به أن يجنب القائد الأعلى، امتحانا صعبا في اللحظة التي كان على الرئيس السادات، أن يتحمل فيها مسؤوليته التاريخية، وهو يقود خير الجنود وأشرف الرجال، في اللحظة التي يواجهون فيها قدرهم، وقدر أمتهم العربية وشعبهم المصري، ليجيبوا عن السؤال الرهيب، الذي ظل يتردد - منذ عام 1967 - في أعماق الشخصية العربية، سؤال رهيب يقول: «هل نحن موجودون، أم غير موجودين».
وفي مواجهة هذا السؤال المصيري، فليس من الحكمة أن يتعرض القائد الأعلى لأي اهتزاز - حتى لو كان عاطفيا تمليه الطبيعة البشرية، ورابطة التراحم الأسري بين الأخ الأكبر وأخيه الأصغر - وهكذا قرر المشير، أن يحتبس الخبر عن قائده الأعلى، حتى تتضح معالم الموقف العسكري على الجبهة تماما، وعندما سنحت الفرصة، أعلن المشير الخبر لقائده الأعلى، ليجد نفسه أمام تصرف لا يصدر إلا عن إنسان له عمق أنور السادات، وشخصيته المتكاملة العناصر، العميقة الأبعاد.
حزن الرئيس - ما في هذا من شك - حين أُبلغ بخبر استشهاد عاطف السادات في الضربة الأولى.
ولقد كان حزن الأخ الأكبر «أنور» على أخيه الأصغر «عاطف» عميقا... ولكن لمحة الحزن التي أطلت من عينيه يومها - وشهدها كل الحاضرين في غرفة العمليات الرئيسة - خالطها، ثم طغى عليها في النهاية إشعاع من العاطفة الأبوية الشاملة، التي ظللت كل المقاتلين واحتضنت كل الشهداء، وأطلقها الرئيس في عبارته المؤثرة «كلهم أولادي».
تحول الموقف الإنساني في قمته العاطفية، إلى موقف حضاري، يقفه رجل ناضج، يشعر بفقد أخيه، ويألم لخبر استشهاده، ولكنه في الوقت نفسه، يرتفع بانفعالاته فوق الموقف الأسري المحدود، إلى موقف قومي أكثر شمولا واتساعا وعمقا، يتحول فيه «عاطف السادات» إلى واحد من شهداء مصر كلها، الذين يظلهم جميعا القائد بأبوته، ويترابط معهم قائدهم الأعلى بوجدانه، باعتبار أن ما صنعه كل منهم سطر جديد في سجل الشرف المصري، والكرامة العربية.
لقد كانت فئتنا القليلة من الطيارين، تحكمها في كل معاركها، عوامل تعتبر الطريق الصحيح، إلى كل انتصار على أي فئة أخرى مهما كثرت، وفي مقدمة هذه العوامل: الإيمان بالله وبالوطن وبالقضية، والتدريب الذي بلغ أرقى المستويات، والأخذ بأسباب العلم، وروح الثأر لشهداء المعارك السابقة، والاعتزاز بالنفس المصرية التي سطرت في سجل تاريخ الانتصارات أزهى وأمجد الصفحات طوال عصور التاريخ.
بهذه العوامل أيضا تمكن كل من المقاتلين الطيارين «ضياء...» و«إيهاب...» و«ثابت...» و«عويس...» من إسقاط أعداد من طائرات العدو تعتبر أرقاما قياسية في عصر عزت فيه الأرقام القياسية.
بهذه العوامل تمكن المقاتل الطيار «خميس...» من إسقاط الميراج مرتين بالميج 21، وتمكن المقاتل الطيار «عبدالعزيز...» الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره من إسقاط الفانتوم بطائرته السوخوي، وبكى كل من المقاتل الطيار «إيهاب...» و«نقولا...» فرحا وهو يرى الفانتوم تسقط محترقة بنيران طائرته «الميج - 17».
وبهذه العوامل نجح مقاتلونا الطيارون في إدخال الرعب على نفوس طياري العدو، وتشتيت هجماتهم، وإرغامهم على إلقاء حمولاتهم في البحر أو في الصحراء، وإجبارهم على الفرار قانعين من الغنيمة بالسلامة.
بهذه العوامل تقدم طيارو السوخوي و«الميج - 17» بتظلمهم إلى قادتهم، طالبين الاشتراك في طلعات القتال الجوي بطائراتهم غير المخصصة للقتال الجوي، حتى لا يفوتهم شرف الاشتراك في المهرجان القتالي الذي أقامته قواتنا الجوية في سماء الدلتا وسيناء.
تركت هذه العوامل بصماتها على التصرفات الفردية لمقاتلي القوات الجوية، بعد أن بلغت روح القتال بينهم ذروة قل أن سمت إليها روح المقاتل طيار في غير سلاحنا الجوي الذي استعاد نفسه في معارك أكتوبر.
وفي الواقع، فقد تطرفت روح القتال بين بعض الطيارين إلى حد أدخل القلق على نفوس قادتهم، وأرغمهم إلى مقاومته في الكثير من الظروف.
على سبيل المثال - لا الحصر - ففي السادس من أكتوبر، وأثناء الضربة الأولى المركزة التي حطمت روح الطيران الإسرائيلي وأعادته إلى حجمه الطبيعي، أصيبت طائرة المقاتل الطيار «نجيب...» بدانة مدفع مضاد أطارت غطاء كابينة الطائرة وأصابته هو بجروح سطحية في وجهه، ولكنه لم يبلغ عن الحادث ولم يطلب العلاج، بل بدأ بمجرد هبوطه في قاعدته إجراءات التزود بالوقود والذخيرة ليشترك في بقية طلعات ذلك اليوم، ولم يكتشف أمره إلا بعد أن حققت الضربة أهدافها وسمح للطيارين بالقليل من الوقت والراحة قبل بدء المهمة التالية.
في اليوم نفسه أيضا - وفي العملية نفسها - حدث الشيء نفسه للمقاتل الطيار «فوزي...» أثناء عودته بعد ضرب مطار بير تمادا، ولكن أمره اكتشف لحسن الحظ فصدرت له الأوامر الصارمة بالراحة جبريا، ولكنه بعد 24 ساعة تقدم بتظلم أقرب إلى الرفض منه إلى الرجاء، نوه فيه بأنه سيقضي ما بقي من حياته فاقد احترامه لنفسه لمرور يوم وليلة من عمر المعركة دون أن يفعل شيئا، حتى إذا ما أجيب إلى طلبه، حرص بعد عودته من كل عملية على المشاركة في العملية التي تليها، وكأنما يعوض ما فاته من عمليات.
ثم حدث الشيء نفسه وما أكثر ما حدث للمقاتل الطيار «حسن...» في الثامن من أكتوبر... فبعد أن تمكن من إسقاط طائرة للعدو، أصيبت طائرته بصاروخ معادٍ أثناء عودته، فوثب بالمظلة وعاد سيرا على قدميه إلى حيث التقطته قواتنا الأرضية وأعادته سالما إلى قاعدته قبل الغروب. وكان حتمًا أن يحال إلى القومسيون الطبي ليحدد المدة الكافية لعلاج الكدمات والجروح التي أصيب بها... وأحيل فعلا رغم إلحاحه في طلب إعفائه من ذلك، ولكنه لم يكف عن التوسل للأطباء حتى (يطلقوا سراحه) كما كان يقول فأجيب إلى طلبه بعد 24 ساعة ليشترك في عدة عمليات ناجحة قبل أن يحظى - بعد ذلك - بلقاء ربه شهيد إيمانه وحبه لوطنه.
لون آخر من ألوان الإصرار وروح القتال التي جعلت من مقاتلي القوات الجوية مضربا للأمثال، فعندما رزق المقاتل الطيار «فهمي...» بمولودته الأولى، وبادرت قيادته بمنحه إذنًا ليراها ويطمئن على سلامة الأم، رفض ابن السادسة والعشرين أن يبعد عن قاعدته ولو لساعات، خشية أن تفوته المساهمة في إحياء مهرجان الانتصارات الذي أقامه مع زملائه ابتداء من السادس من أكتوبر.
تمخض هذا التكالب على الاشتراك في العمليات، من جانب الطيارين، عن ابتكار الكثير من الحلول لبعض المشكلات، فالمخالفات الصغيرة مثلا، التي لا تخلو منها قاعدة جوية أو غير جوية، أمكن القضاء عليها تماما، وبين الطيارين بالذات، بجزاء طريف ابتكره أحد قادة القواعد لينتشر بين القواعد جميعا، هو (الحرمان من طلعة أو أكثر من طلعات القتال).
وإذا كانت المشكلة الدقيقة التي طالما عانى منها القادة أثناء الحروب الجوية، والممثلة في حتمية اختيار الطيار المناسب للعملية المناسبة من حيث تدمير أهداف جوية أو اكتساح مدرعات أو ما إلى ذلك، باعتبار أن كل مقاتل طيار في قواتنا الجوية كان مناسبا لكل عملية جوية، فقد بقيت مشكلة اختيار العدد المطلوب من المقاتلين للعملية، دون غيرهم من الراغبين في التصدي لها، طوال الأيام الأربعة الأولى، حتى ابتكر قادة القواعد حلا طريفا لهذه المشكلة بدورها.
ويتلخص الحل الذي تمتزج فيه روح الدعابة المصرية بجدية الحرب في استدعاء الطيارين جميعا إلى غرفة عمليات القاعدة لتلقينهم تفاصيل العملية، في الوقت نفسه الذي يجري فيه تجهيز العدد المطلوب فقط من الطائرات للطلعة وهي داخل دشمها، حتى إذا ما انتهى التلقين وهرع الطيارون كلٌّ إلى دشمة، حظي البعض بالمهمة وعاد الباقون ضاحكين حيث يجدون الدشم التي حددت لهم خالية بلا طائرات.
ولم يكن الابتكار لحل المشكلات وقفًا على القادة، فقد ابتكر المقاتلون الطيارون لأنفسهم حلا لمشكلة المشكلات في القتال الجوي، هي مواجهة العدو والدخول في المعركة الجوية بلا ذخيرة.
الحل المبتكر جاء عفوًا، وأما السبيل إليه فكان روح القتال الكامنة في طيارينا، وأما عن الدروس المستفادة السابقة في مجال الحرب الجوية عموما التي أوحت به فلم يكن هناك أيٌّ منها، إذ اهتدى طيارونا المصريون إليها في أول مناسبة برزت فيها المشكلة.
لقد ذكرت من قبل قصة الطيار «نجيب» التي تحدثنا عنها بالتفصيل عندما وُوجه بنفاد ذخيرته يوم 7 أكتوبر بعد أن فرغ من مهمته في تدمير قول إسرائيلي مدرع كان في طريقه لنجدة القوات الإسرائيلية المسحوقة في خط بارليف، ولكي يفلت «نجيب» من المقاتلات الإسرائيلية، التي أسرعت لنجدة القول الإسرائيلي المدرع، ناور في الجو، حتى «ركب» بتشكيله الطائرات المعادية، فأسرعت بالهرب، فرارا من صواريخه التي لا وجود لها.
نجح «نجيب» في ابتكار حل فوري تمتزج فيه الشجاعة، بالسخرية المصرية اللاذعة من العدو لأخطر ما يواجه الطيار المقاتل في الجو، عندما تنفد ذخيرته في مواجهة عدو مكتمل الذخيرة.
هذا النمط الاستثنائي من المغامرات في القتال الجوي، لم يصبح قاعدة بين مقاتلينا الطيارين في كل مناسبة، بل أخذ ألوانا أخرى أبعد تطرفا وجسارة، وأكثر إصرارا على سحق العدو الجوي، وإلحاق أكبر قدر من الخسارة، حتى في اللحظة التي يكون فيها العدو متمتعا بظروف تجعله قريبا من تحقيق أهدافه.
في الثامن عشر من أكتوبر خرج تشكيل من أربع طائرات بقيادة المقاتل الطيار «حيدر» ومعه كل من «محب ورضا وفتحي»، في مهمة لتدمير عدد من الأهداف الحيوية في عمق سيناء، لتعترضه أثناء العودة بعد أدائه لمهمته مقاتلات العدو، وهو على بُعد 40 كيلو مترا شمال العريش، وإذا كان التشكيل المصري قد بوغت وهو بلا ذخيرة للدفاع، فقد كان في هذه المرة بلا وقود يكفي للمناورة الخداعية ثم العودة إلى قاعدته، ولذا أصدر قائد التشكيل، المقاتل الطيار «حيدر...» أمره إلى زملائه بمواصلة العودة إلى القاعدة دون اشتباك، وانفصل هو عن التشكيل واتجه رأسا صوب العدو، وراح يشغله بالكر والفر وهو أعزل تماما، حتى تمكنت مقاتلات العدو منه بعد عناء، فأسقطته شهيدا مضحيا بحياته ثمنا لحياة زملائه.
إن كثيرا من الناس لا يعرف عن «العمليات الخاصة» إلا اسمها... وقد لا يعرف الكثيرون أنها واجبات ينفرد كل منها بوضع خاص، سواء من حيث التعرض للمخاطر، أو من حيث الآثار المترتبة على النجاح أو الفشل في أداء العمليات الخاصة بالبر أو البحر... مسؤوليات جسام تتطلب من المقاتل الطيار أسمى مستويات الإخلاص للعمل، والصدق في الأداء، والشجاعة في مواجهة الخطر.
تلك عناصر توافرت بغزارة في مقاتلينا الطيارين، طوال معارك أكتوبر التي قامت أكثر ما قامت على العمليات الخاصة، التي عُهد بها لسلاحنا الجوي فأثبت كفاءة عالية في هذا النوع من عمليات القتال التي خضناها للمرة الأولى في تاريخنا.
سارت عمليات هذا السلاح الوليد قُدمًا، بعملياتها الخاصة، مع العمليات الأخرى التقليدية، كالقتال والقذف الجويين. وفي السادس من أكتوبر، وبينما الضربة المركزة الأولى تفتح أبواب الجحيم وتصلي العدو نارًا من الجو، كانت عدة تشكيلات من تسع عشرة طائرة هليكوبتر ضخمة، بقيادة المقاتلين الطيارين «شمس...» و«رفيق...» و«زكي...» و«محمود...» و«سعيد...» و«عمر...» و«حسن...» و«سمير...»، تسقط جنود الصاعقة البواسل شمال قلعة الجندي وشرق رأس سدر ووراء الممرات، للعمل خلف خطوط العدو بما يربكه ويوقعه في الحيرة التي حطت من روحه.
تلك القوات التي تم إنزالها لا يزال العالم يتغنى بإنجازاتها، لأن معظمها لم يعد إلا بعد أشهر ثلاثة من بدء العمليات، وقد كانت نقطة الانطلاق الأولى في هذه العملية البطولية، هي نجاح طائراتنا في توصيل هذه القوات إلى أهدافها.
كان بدهيًّا أن تجد هذه القوات الخاصة حاجتها من الذخيرة والغذاء والماء، وكان الحل عند سلاحنا الجوي الجديد... «الهليكوبتر»... فعن طريق العمليات الخاصة أقام هذا السلاح جسرا لإمداد قواتنا البرية الخاصة حيثما تواجدت عبر طرق جوية عجز العدو عن اكتشافها، ابتداء من الثامن من أكتوبر، وفي تشكيلات سريعة الحركة بقيادة مقاتلين طيارين كانت خبرتهم بهذه العمليات الجليلة الأثر، تتصاعد باستمرار، من أمثال المقاتلين الطيارين «عمر...» و«حسن...» و«بهي...» و«أبوشهبة...» و«سمير...» وغيرهم.
نوع آخر من العمليات الخاصة اضطلعت به طائراتنا الهليكوبتر، تجاوز مجرد إبرار القوات الخاصة وإمدادها، إلى تدمير الأهداف أيضا، ففي الحادي عشر من أكتوبر عندما تقرر الحد إلى أقصى درجة ممكنة من نشاط مدرعات العدو بحرمانها من البترول، عصب الحرب الميكانيكية... انطلقت أربعة تشكيلات من طائرات الهليكوبتر بقيادة كل من المقاتلين الطيارين «شمس...» و«رفيق...» و«أحمد...» و«علي...» في الصباح، ثم تلتها أربعة تشكيلات أخرى بقيادة كل من «جلال...» و«محمد...» و«سيد...» و«محسن...» إلى حيث دمرت مستودعات البترول بسيناء، فحرمت العدو بهذه العملية التدميرية الناجحة من مصدر حيوي للوقود.
ونجحت تشكيلات الهليكوبتر في ليلة الثالث عشر من أكتوبر، بعد طلعتين متتاليتين، في إبرار عدد من عناصر الاستطلاع الذي تقرر توصيله في منطقة ما قرب مطار المليز، وكان لنجاح هاتين الطلعتين أكبر الأثر في العمليات التي تمت حتى اليوم، والتي قد تدعو إليها الحاجة في المستقبل. والجدير بالتسجيل هنا، أن نجاح هاتين الطلعتين الليليتين تم رغم عدم وجود الأجهزة الملاحية الدقيقة التي تساعد الطيار على الوصول إلى أهدافه ليلا.
أما أعظم العمليات الخاصة التي حققتها طائراتنا الهليكوبتر، وأطولها أمدًا في الواقع، فكانت عمليات إمداد الجيش الثالث شرق السويس بالأغذية والماء والذخيرة والأدوات الطبية وشحنات الترقية والمصاحف والأناجيل، بتشكيلات استغل فيها مقاتلونا ساعات الظلام ومعرفتهم الدقيقة بالتضاريس الأرضية التي تقوم سدًّا في وجه رادارات العدو، بنجاح لم يكن كفيلا بصمود هذا الجيش الباسل فقط بل أيضا كان كفيلا بتمكينه من كسر جميع هجمات العدو واكتساب أرض جديدة.
بمثل تلك الروح في القتال بين طيارينا، وذلك المستوى من التدريب والكفاءه، تمكن هؤلاء الطيارون من تحقيق أعمال تعتبر قياسية في مجال الحروب الجوية.
لم أذكر من قبل أرقاما مقارنة... لكنني أشير الآن إلى أنه بالنسبة لعدد الطلعات الجوية في اليوم الواحد، كان الرقم القياسي أربع طلعات حققها طيارو سلاح الطيران البريطاني، أثناء مطاردة قوات المحور وهي في انسحابها التاريخي من شمال أفريقيا. وقد تخطت قواتنا الجوية المصرية هذا الرقم ولأكثر من مرة بعدد من الطلعات وصل إلى ست طلعات كان يحققها الطيار الواحد في اليوم الواحد، دون أي بادرة من بوادر الإجهاد أو الإرهاق.
في مجال إسقاط الطائرات الأكثر تفوقا أثناء القتال الجوي، بلغ طيارونا الذروة، لا في عدد ما أسقطوا من طائرات معادية أكثر تفوقا من طائراتهم فحسب، بل على مدار حرب بدأت دون أن يدري أحد متى سيقدر لها أن تنتهي.
وعلى المعدل الفردي أيضا، حقق العشرات من طيارينا أرقاما قياسية في عدد إسقاط الطائرات المعادية الأكثر تفوقا، التي تمكن كل منهم من إسقاطها، فرغم قِصَر أمد المعركة نسبيا، تمكن أكثر من طيار مصري من إسقاط طائرتين أكثر تفوقا خلال الفترة بين بدء ووقف القتال، بل تمكن المقاتل الطيار «وفائي...» من إسقاط ثلاث طائرات، وتمكن المقاتل الطيار «إمام...» من إسقاط خمس طائرات كلها من طراز فانتوم، أما ما يعتبر إعجازا فكان في ما حققه المقاتل الطيار «سعيد...» عندما أسقط طائرتين معاديتين من طراز ميراج خلال طلعة واحدة، الأمر الذي لم يحققه غير اثنين من طياري الحلفاء طوال سنوات الحرب العالمية الثانية الخمس.
ثمة ما يعتبر قياسا في أكثر من مجال من مجالات الحروب الجوية، ما تحقق على أيدي الكثيرين من أبناء القوات الجوية المصرية البواسل.
من ذلك على سبيل المثال، ما كان ينتاب بعض الطيارين من فقدان الصبر، والاستجابة للحماس وروح القتال، عندما ينجح العدو في الوصول إلى إحدى قواعدنا الجوية، فما من مرة هوجمت القاعدة التي يعمل منها كل من المقاتلين الطيارين «ضيف الله...» و«المنصوري...»، إلا وهرعا إلى طائرتيهما وانطلقا تحت القصف، إلى حيث يشتبكان مع العدو الجوي في معركة إن لم تنته بإسقاطه، فبإرغامه على التخلص من حمولته المدمرة بإلقائها فوق الحقول، والعودة هاربا دون أن يحقق أهدافه ضدنا.
ولا أنسى ما دأب عليه كل من المقاتل الطيار «فهمي...» و«نصر...» و«عادل...» و«تحسين...» و«شكري...» من عدم فتح نيرانه على عدوه، بعد التمكن منه، إلا وهو على أقرب مسافة ممكنة منه، لدرجة أن شظايا العدو في كثير من المرات، إثر انفجارها في الجو، أصابت طائراتهم إصابات لم تعقها عن مواصلة الطيران.
معروف في مجال الحرب الجوية، أن كل طيار يطير في الجو، يقابله بين «18 و20» مهنة على الأرض، لها علاقة بطائرته، بين متخصصين في الإعداد الهندسي للطائرة، وآخرين لتأكيد سلامتها، وتحميل لأسلحتها، وتزويدها بالوقود، والذخيرة، وصيانة أجهزتها المختلفة.
ويسهر على تأمين سلامة الطائرة ملاح لتوجيهها على شاشات الرادار، ومراقب جوي لتنظيم إقلاعها وهبوطها من برج المراقبة، وخلف هؤلاء مهندسون وميكانيكيون وعمال في مهن فنية عديدة يصلحون ما يصيب كل طائرة من أعطال.
وهناك آخرون قابعون في مخازنهم، لإمداد الأسراب والورش بما يلزمهم من عتاد أو مهمات أو قطع غيار، وآخرون في مكاتبهم، يديرون دولاب العمل في أجهزة التخطيط ووحدات التنفيذ.
كل هؤلاء كانوا بمثابة خلية النحل، لا يكل فرد فيها عن العمل، وشأن كل خلية لها طلائع... يصنعون النصر بالتضحية بأرواحهم، ويعطون الحياة صفة الاستمرار في هذه التضحيات، فإن النصر لم يكن من صنع فرد أو أفراد، ولكنه بالدرجة الأولى كان من صنع روح الفريق، التي لعبت أروع أدوارها أمام التاريخ.
والحق يقال إن شحنة معنوية، وروحا وطنية لبست كل ضابط وكل جندي وكل موظف وكل عامل، عند اشتعال الشرارة، فكأن الجميع يستعذبون الكد والتعب ولا يفكرون في الراحة، وكان كل منهم لا يفكر في الأخذ، بل في العطاء، ولا يفكر في نفسه بل في غيره، خصوصا هؤلاء الطلائع من نسور الجو الذين نشروا ستار الحماية فوق سماء المنطقة.
كان كل من هؤلاء يفكر في سلامة الطائرة، وسلامة الطيار، وسلامة الممر قبل أن يفكر في نفسه، ومن ثم شحذت هممهم، فجاءت نتيجة الأعمال التي قاموا بها خلال المعارك وفق ما نعرف الآن. وكما ذكرت المقاتلين الطيارين فإنني أذكر بعضا من بطولات غيرهم... لا من باب الفخر والإعجاب، ولكن من باب التذكرة والاستفادة... هذه التضحيات ستنير الطريق للأجيال القادمة، وستظل على مر الأيام محل فخر وإعجاب لكل من عاشوها أو عرفوها أو قرأوا عنها.
إن دعامة هذا الفخر، وأصحابه الأوائل، هم هؤلاء الذين دفعوا حياتهم فداء لأمتهم، وفداء لواجبهم وحماية لنا، فكانوا هم القدوة التي غسلت العار وضربت الأمثال، وكانوا هم بناة صرح النصر، سواء واجهوا نار العدو وهم ثابتون في مواقعهم الأرضية، أو أثناء تحليقهم في السماء.
لقد ذهب هؤلاء الشهداء للقاء ربهم بعد أن رفعوا رأسنا عاليا، وبعد أن أزاحوا روح اليأس التي كانت تتراقص في الآفاق، وأحلوّا مكانها آمالا كان بريقها قد خبا، وأمجادا أوشك تاريخها أن يندثر. وكان الشهداء هم العازفون الأوائل لسيمفونية النصر الذين لعبوا أدوارهم بأمانة يحسدهم عليها الأحياء.
وحسبنا وحسبهم ما وعدنا الله به في كتابه الكريم حين يقول: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ170). «آل عمران».
ولايزال بيننا أبطال على الأرض، ضربوا أروع الأمثال في إتقان العمل والتضحية بالنفس، وقيض الله لهم أن يستمروا في إثراء الحياة. ولقد نجح الجميع نسور الجو، وعمالقة الأرض في تأكيد روح الفريق، التي سادت بين قواتنا المسلحة عموما، وأسلحتنا التي تعاملت مع العدو الجوي على وجه الخصوص.
أمام جدار الصواريخ المصرية المحكم... وأمام دوريات الحراسة النشطة من المقاتلات المصرية... وأمام يقظة مقاتلات الاعتراض... وأمام كثافة أجهزة الدفاع الجوي ويقظتها... طاشت كل هجمات الطائرات المعادية... ومن ثم راحت قنابلهم تتساقط من حول المطارات دون أن تصيب شيئا. وكم من آلاف القنابل تهاوت وانغرست في حقول فلاحينا الكادحين، أو ذهبت سدًى ودفنت في رمال الصحراء.
أمام كل ذلك، تزايدت شراسة هجمات الطائرات الإسرائيلية، خصوصا على مطارات شمال وغرب الدلتا، وأصبح عاديا أن يقال إن كثافة الطائرات المعادية في أي غارة بين 40 و50 طائرة، أو بين 60 و80 طائرة في بعض الطلعات، يقابلها عدد مماثل من طائراتنا، تقاتلها وتجبرها على الفرار، في أعنف المعارك التي سجلها تاريخ الحروب الجوية.
كان الأعداء يستهدفون دشم الطائرات، وكانوا يستهدفون الممرات لتعطيلها توهمًا منهم أنهم قادرون على تكرار ما حدث في 5 يونيو 1967، وتساقطت بعض القنابل على الممرات، وتساقط الكثير من صواريخ العدو وقنابله بعيدا عن الممرات والدشم.
ولكن لم يتعطل مطار واحد أكثر من ساعات معدودة، استكمل بعدها قدرته على الدفع بطائراته إلى سماء المعركة التي فوجئت بها إسرائيل. ولقد تمخضت الخسة إسرائيل في لحظات اليأس، عن استخدام القنابل الاهتزازية، التي تنفجر بمجرد حدوث أي حركة بجوارها، وأمام هذا اللا شرف، لعبت البسالة المصرية دورها، حتى لا تهتز القنابل أو تنفجر أمام طائرة أو أمام دشمة بجوارها.
كمثال على بطولات أبنائنا أذكر رئيس الوحدة المسؤول عن إزالة القنابل، وتطهير الممرات منها، وهو يغادر مكتبه في القاهرة، وينطلق إلى إحدى القواعد الجوية التي تساقطت فيها القنابل حول الممر، ليباشر التطهير بنفسه، ويظل يواصل الليل بالنهار لأن القنابل كانت تعد بالعشرات، وكان بعضها غائصا في الطين على بُعد أمتار، فظل يواصل الحفر وراءها حتى تم نزع كل ما أسقطه العدو من قنابل، وتم تأمين المطار.
وقائد وحدة تطهير يتقدم نحو موقع سقطت فيه قنبلة، فتنفجر فيه لأنها كانت من النوع الاهتزازي، ويتقدم من يليه في الرتبة، فيلقى المصير نفسه، ثم يتقدم من يليه، وهكذا... حتى أصبحت الوحدة تحت قيادة ملازم... وأخيرا تم التطهير، دون أن تتوقف العمليات لأن الجميع كانوا مؤمنين بحتمية مبدأ جديد اسمه «الاستمرار».
وتقدم سائق وحدة ميكانيكية من الممر، وعرف أن عددا من زملائه لقوا حتفهم وهم يطهرون الممر من قنابل اهتزازية، فيسرع بعربته نحو قنبلة باقية كانوا يشيرون إليها، ويلقى مصيرهم نفسه، حتى لا يستمر تعطيل الممر عن الطيران. ويتمزق جسده، مع أجزاء العربة، وتتوقف حياة البطل الشهيد، لكي تستمر قواته الجوية في الحياة.
وخلف عدم تعطل أي مطار أكثر من بضع ساعات، كانت هناك عملية إعداد فوري واستعدادات وتحضيرات خاصة يطلق عليها مهندسو الممرات «الخلطة الساخنة»، والاسمنت سريع الشك.
لم يكن العدو يدري أن مصر كلها تحارب... وأن مصر كلها تساند جيشها. كانت الخلطة الساخنة تُصنع في كل موقع وبجوار كل مطار، وتقوم بتجهيزها شركات ومواقع عمل مدنية كانت على أهبة الاستعداد، وسواعد مدنية كان أصحابها لا يقلون فدائية واستعدادا للبذل عن المقاتلين الرسميين.
وكانت أجهزة نقل متخصصة تعمل لإحضار هذه «الخلطة الساخنة» على وجه السرعة، لردم ما في الممرات من حفر، وفي كل قاعدة جوية أو مطار توجد وحدة لديها آلاتها ومعداتها وضباطها وجنودها، المسؤولون عن إعادة تجهيز الممرات. هؤلاء ضربوا أروع أمثلة النشاط، ومواصلة الليل بالنهار، لجعل الممرات جاهزة لإقلاع الطائرات وهبوطها باستمرار، وخلال ثغرة «الدفرسوار» تركزت غارات الأعداء، على أحد مطارات شرق الدلتا، وتساقطت عليه مئات القنابل، وتعطلت ممراته أحيانا، ولكن كان العدو يعطله ليلا، ليصبح فيجده وقد عاد صالحا، وأقلعت منه الطائرات لتهاجمه. لقد كان مهندسو المطارات، يعملون ليلا على أضواء العربات.
كم كانت تعوق أعمالهم القنابل المهتزة، ولكنهم كانوا دائما ذوي عزيمة، وكان نتاج ذلك كله... ممرات صالحة على الدوام، تضمن لسلاحهم الجوي تحقيق شبح يرعب إسرائيل اسمه «الاستمرار» في المعركة من بدايتها إلى نهايتها.
ولجأ العدو إلى وسيلة غير شريفة أخرى، هي إلقاء قنابل تحوي مئات من الكرات المعدنية، التي تتناثر في شتى الاتجاهات عند حدوث الانفجار، فتصيب عددا كبيرا من الأفراد. مثل هذه القنابل أطلق عليها جنودنا اسم «قنابل الجوافة»، تشبيها لكراتها ببذور هذه الثمار، ورغم أن عددا كبيرا من الأفراد قد أصيب من جراء هذه القنابل، فإن حركة العمل في أي قاعدة أو مطار لم تتوقف ولو للحظات، رغم أن مقتضيات كثير من الأعمال تقتضي العمل في العراء، بلا ملاجئ.
وذهب العدو إلى أسلوب تخويف الميكانيكيين الجويين المسؤولين عن صيانة الطائرات وتجهيزها في حظائرها ودشمها، بتعمد إلقاء عديد من قنابل الجوافة قربها. كان هؤلاء كانوا هم محور الرحى في كل عملية جوية، وعلى أكتافهم قامت كل التجهيزات في سرعة وبراعة وإحكام وبروح معنوية لا مطمع في مزيد عليها لأي سلاح جوي في العالم.
وعندما وجد كثير منهم أن بعض البلي المتناثر يمكن أن يصيب الطائرات داخل الدشم، تمخضت أذهانهم عن أفكار مبتكرة غاية في البساطة، تمثلت في بعض شكاير الرمل، وصناديق الخشب المملوءة بالرمال، وحموا بها الطائرات. ولقد ضرب كثيرون منهم أروع المثل في التضحيات.
منهم المقاتل «شاكر...» الذي لمح قنبلة تتدحرج في منزلق نحو إحدى الدشم، دون أن تنفجر، فهَمَّ في سرعة خاطفة إلى التقاطها بيديه، وجرى بعيدا عن الدشمة إلى أرض فضاء مجاورة ليلقي بها، وهو يعلم أن انفجارها موقوت، وما كاد يعطيها ظهره، بعد أن أبعد الخطر، حتى دوى صوت الانفجار عاليا، وهو لم يكد ينبطح على وجهه ليتفادى الشظايا إلا في اللحظة الأخيرة.
والمقاتل «شبل...» الذي كان يتعاون مع لفيف من زملائه على إدخال إحدى الطائرات إلى دشمتها، ليحكموا إغلاق الباب عليها حماية لها من قنابل الجوافة. ولكن القنابل لاحقتهم، وسقطت إحداها قرب الدشمة، فأصر المقاتل «شبل» على أن يتقدم زملاؤه حتى يغلقوا الباب على الطائرة وبقي هو ليسحب القنبلة بحبل بعيدا عن الطائرة.
أما المقاتل «شافعي...» فقد كان له هواية غريبة، وهي جمع قنابل الجوافة، ولقد أفلح في جمع ما يزيد على ستمئة قنبلة منها بعد نزع مفجراتها، وبذلك أصبح سرها معروفا، ولم تهبه القنابل المهتزة ونجح في نزع طبات سبع منها. وذاع صيته في المنطقة، إلى حد أن استدعته إحدى وحدات الدفاع الجوي القريبة لتأمين قنبلة كبيرة زنة الألف رطل، سقطت بجوارها على عمق أكثر من مترين في الأرض.
وأسرع العملاق المصري «شبل» سليل «بناة الأهرام» ليؤمن وحدة الدفاع الجوي، التي تسهم بجهدها الحيوي، في خلق الشبح الذي أطار النوم من عيون جنرالات الجو الإسرائيليين... شبح كانت العسكرية الإسرائيلية تسخر من احتمال وجوده يوما ما، ولكن أحفاد بناة الأهرام، صمموا على أن يتحول هذا الشبح المخيف، إلى حقيقة رهيبة بالنسبة للعدو، اسمها: «استمرار القوات الجوية المصرية في المعركة».
إن القوة التدميرية الحقيقية لأي سلاح جوي معاصر، لا تحسب بعدد الطائرات التي يملكها هذا السلاح، ولا بعدد الطيارين المقاتلين الذين يعملون على هذه الطائرات، ولكن قواعد الحرب الجوية الحديثة، تضع مقاييس مختلفة تمام الاختلاف عن الحسابات العددية المجردة لعدد الطائرات والرجال، تتمثل في الأسس التالية:
أولا: عدد الطلعات الجوية التي يستطيع الطيار الواحد أن يحققها في اليوم الواحد من أيام القتال الجوي.
ثانيا: نسبة الإصابة التي يحققها الطيار المقاتل، ضد الأهداف المعادية في كل طلعة، ومدى ارتفاع هذه النسبة.
ثالثا: انخفاض نسبة الخسائر بين طائرات السلاح - وطياريه - نتيجة لتوافر وسائل الدفاع الجوي - بالنسبة للطائرات - وارتفاع المستوى القتالي بالنسبة للطيارين.
رابعا: براعة أطقم التشغيل الأرضي في قيامها بعمليات إعادة الملء والتموين في أزمنة قياسية توفر الوقت للطائرة وطيارها المقاتل، وتساعد على الارتفاع بعدد الطلعات التي يمكن للطيار الواحد أن يحققها إلى أرقام قياسية جديدة.
خامسا: سرعة أطقم الصيانة والتجهيزات الهندسية، في القيام بعمليات الإصلاح - سواء بالنسبة للطائرات، أو الممرات - يوفر الوقت، ويضاعف من عدد الطلعات الجوية.
ولهذا، فلم يكن غريبا عليّ، وأنا أباشر مهمتي - كقائد للقوات الجوية خلال حرب أكتوبر - أن ألاحظ أن عمليات «التمام» التي كانت تتلقاها قيادة القوات الجوية لم يكن بينها في أي يوم «بند» عدم صلاحية للطائرات بسبب تأخر الإصلاح لمدد طويلة. ومن ثم كانت نسبة صلاحية الطائرات على الدوام أعلى من المتوقع باستمرار.
وراء هذا كانت هناك عيون ساهرة، من مهندسي الصيانة وميكانيكيي وعمال ورش الإصلاح، سواء في القواعد الجوية والمطارات أو في الورش الخلفية. هؤلاء واصلوا الليل بالنهار في إنجاز الإصلاحات، وليس في ذلك في حد ذاته بطولة لأن ذلك عملهم وواجبهم، ولكن عنصر البطولة يكمن في إنجاز هذه الإصلاحات في أوقات أقل ما توصف به أنها غاية في القِصَر إلى حد يصعب تصديقه.
لقد أنجزت إصلاحات وتفتيشات خلال أربع وعشرين ساعة فقط، وكان الزمن اللازم لها في وقت السلم سبعة أيام على الأقل... وقد يظن البعض أن هذا تم على حساب مستوى الجودة في الإنجاز، ولكن الحقيقة أن سرعة الإصلاح تمت بحساب دقيق قام به مهندسو الطيران المشرفون على الإصلاح، بتكثيف الأيدي العاملة وتطبيق مبدأ أن «رجل/ ساعة أكثر. يعني وقتا أقل».
ولم يكن تكثيف العمل بالشيء العسير، فقد كانت الروح والهمم المصرية عالية، والكل كان يضحي بساعات نومه وراحته، وكانت الأجسام طيعة لهذه الهمم العالية التي بلغ حماسها القمة مع نسمات النصر.
ولعله ليس سرًّا أن أعلن أنه كان هناك تخطيط مسبق من قبل قيادة مهندسي الطيران لنبذ الوسائل التقليدية للإصلاح وقت المعركة، واستخدام وسائل مبتكرة بديلة.
فالثقوب الصغيرة التي أحدثتها الشظايا في الطائرة مثلا، لم تكن تعالج بالسمكرة بل باستخدام لدائن لاصقة. ومعدات الرفع والتحميل التي لا تتوافر إلا في الورش الرئيسة المجهزة، أمكن ابتكار ما يقوم بعملها داخل دشم الإصلاح وورش المطارات بوسائل لا تتسم إلا بالبساطة، ولكنها تؤدي إلى تحقيق الفاعلية المطلوبة نفسها والمؤدية إلى سرعة الإنجاز في أقصر حيز زمني ممكن.
وأذكر الآن أنه لم يحدث أن تعطلت طائرة لنقص في قطع الغيار اللازمة لإصلاحها، لأن مهندسي الإمداد كانوا على مستوى من اليقظة ومن التفتح لاستقبال البلاغات وإنجاز المطلوب يحسدون عليه.
لم يكونوا نمطيين، ولا تقليديين في وسائلهم، فاستخدموا مبدأ الدفع من الخلف للأمام بمناورة نادرة.
وصل بلاغ من إحدى القواعد ليلا، بأن طائرة غير صالحة، في حاجة إلى قطعة غيار صغيرة الحجم، وأن صلاحية الطائرة متوقفة عليها، وبعد أن تم صرف القطعة المطلوبة، تحرك أحد المقاتلين بها لتوصيلها، وكان لزاما عليه أن ينتقل بعربة وعلى بعد أربعة كيلو مترات من القاعدة، وتعطلت العربة فواصل الجري حتى بلغ القاعدة لتكون الطائرة صالحة قبل مطلع الشمس.
خلال عمل متصل ليل نهار في الإصلاح، لتكون صلاحية الطائرات دائما في القمة، توالت ملحمة بطولات عمادها المهندسون والفنيون والميكانيكيون والعمال.
وقد سقطت قنبلة أمام باب دشمة كان المقاتل «حمدي...» يجري فيها إصلاح طائرة، فيتفتق ذهنه عن سحب الطائرة من الباب الخلفي للدشمة بواسطة عربة التزويد بالوقود. وعندما يحدث الانفجار، تكون نتيجته إتلاف بعض الجدران فقط.
والمقاتل «زناتي...» تسقط قرب ورشته قنابل صغيرة كثيرة العدد، ويعرف أنها ستنفجر بعد قليل، ولكنه يمضي في جمعها في خوذته بسرعة، ويسرع إلى إلقائها في حفرة حتى لا يتعطل إصلاح الطائرات.
أما المقاتل «أبوناسو...» فقد كان متخصصا في إصلاح كوابل التليفونات، وتحت قصف من وابل القنابل لم ينثن عن إصلاح كل الكوابل الموصلة إلى الدشم، لتكون الطائرات دائما جاهزة لتلقي أوامر الإقلاع فور صدورها، وليستمر سلاحنا الجوي موجودا في المعركة التي بدأها بضربة «صِدام» وأنهاها بضربة التدمير الرهيبة التي كالتها قاذفاتنا الثقيلة ومقاتلاتنا القاذفة لقوات العدو التي تسللت من ثغرة «الدفرسوار».
بهذا استحقت قواتنا الجوية التقييم المنصف الذي أعلنه الفريق أول محمد عبدالغني الجمسي نائب رئيس الوزراء وزير الحربية القائد العام لقواتنا المسلحة عندما أعلن «أن القوات الجوية هي التي بدأت الحرب وهي التي أنهتها».

المصدر: صحيفة الرأي الكويتية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)