إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ملفات | دراسات وتقارير | الفرق بين ​هزائمنا وهزائم الآخرين: اليابان وألمانيا نموذجاً
المصنفة ايضاً في: دراسات وتقارير

الفرق بين ​هزائمنا وهزائم الآخرين: اليابان وألمانيا نموذجاً

آخر تحديث:
المصدر: رصيف22 - علي أديب
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 10747
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

في مساء التاسع من مايو 1945 وغداة استسلام ألمانيا النازية للحلفاء كتبت الألمانية هيلدغارت تاينرت "الحرب انتهت، البنادق صمتت. لم تبق إلا لحظات قليلة، وبعدها ينتهي كل شيء… للأبد" في مفكرة زوجها مدرس اللغة اللاتينية.

 

بعد ذلك بقليل أطلق زوجها يوهانس تاينرت عليها النار ثم انتحر في بيتهما ببلدة غلاتز. يلخص هذا الموقف وقع الهزيمة على أمة بأسرها حين تنطلق رصاصة اليأس والهزيمة، حقيقية كانت أم معنوية، لتغتال روح شعب بأكمله.

 

تلك الرصاصات نفسها انطلقت على الروح العربية غداة هزيمة 1967 القاسية التي لا نزال ندفع ثمنها. ولكن أين أصبح أحفاد تاينرت الآن وأين هم أحفاد جيل النكسة بعد كل تلك العقود من الزمن؟

 

لا بد من التأكيد مسبقاً على الاشكالية التي تبرز حين نتحدث عن "العرب"، وما إذا كانت هناك بالفعل حالة عربية واحدة يمكن القياس عليها. ونحن هنا نؤكد أننا نتحدث عن العوامل المشتركة بين "الحالات العربية" في الدول التي تعرضت أو تأثرت بالهزيمة وليس عن تطابق كامل بينها.

 

المعيار عينه يمكن تطبيقه على قياسنا هنا في الحديث عن أوجه المقارنة بين ألمانيا واليابان عام 1945 والحالات العربية عام 1967. فنحن نتحدث عن مساحة مشتركة من التشابه تتحدد بدول تعرضت لهزيمة قاسية أفقدتها الكرامة الوطنية، وكلفتها ثمناً اقتصادياً باهظاً.

 

ونحاول أن نستكشف كيف كان التعامل مع الهزيمة وتبعاتها من منظورين مختلفين أنتج كل منهما بعد عقود حالتين متناقضتين من الفشل الذريع والنجاح الشامل.

 

يقول سعيد أبو ريش في كتابه "ناصر، آخر العرب" إن هزيمة 1967 كانت هزيمة الشعوب العربية التي طالبت حكامها بأكثر مما يستطيعون، ولذلك فإنها لا تزال هزيمة حية لأنهم فقدوا كرامتهم بسبب أفعالهم هم وحكامهم التي يصفها بالانتحار الجماعي. ولذلك فإنهم لم يستطيعوا أن يتجاوزوا تدمير الروح المعنوية الذي وقع في الخامس من يونيو 1967.

 

وهو يرفض أيضاً مقارنتها بما حدث لأي من شعوب العالم في الحروب قائلاً إنها "حالة هزيمة مضاعفة لأقسى ما مر به أي شعب آخر". وهذا القول يفتح لنا هنا باباً للنقاش لأنه يتغاضى عن مآسٍ ضخمة حدثت لشعوب أخرى تشابه بل قد تفوق ما تعرض له العرب في النكسة.

 

هذا المنطق هو أوضح تبرير للفشل العربي في التعامل مع الهزيمة بدلاً من أن يكون تحليلاً عملياً لها. فالقول إن تدمير الروح الوطنية غير مسبوق في التاريخ الحديث أمر يحتاج لوقفة.

 

قصة الزوجين تاينرت لم تكن هي الوحيدة المعبرة عما أصاب الألمان واليابانيين من انهيار في الشعور الوطني والكرامة والاعتزاز بالنفس. فقد هام الكثير من الألمان على وجوههم بعد الحرب، وتعرضت نساء كثيرات للاغتصاب على أيدي جنود الحلفاء، فيما بدأ الضمير الألماني يتلظى بنيران ما تكشف من فظائع الحكم النازي التي ارتكبها في معسكرات الإبادة وغرف الغاز.

 

هذه الصورة الشديدة القتامة تنقض مقولة أبو ريش في أن ما مر على العرب غير مسبوق في التاريخ. نعم، كانت الهزيمة زلزالاً ضخماً ضرب الوطن العربي لكنها لم تصل إلى مرحلة الهزيمة الشاملة التي نالتها أمتان عريقتان مثل اليابان وألمانيا.

 

ربما كانت حالة الثقة الزائدة بالنفس المبنية على أوهام وأحلام غذتها آلة الدعاية للأنظمة الثورية العربية، وعلى رأسها نظام عبد الناصر هي من أهم أسباب السقوط الهائل للروح المعنوية بعد أن تكشفت عيوب هذه الأنظمة.

 

إن الفشل الذريع في التعامل سياسياً وعسكرياً مع كل مقدمات الحرب ضاعف من الخسائر التي كان يمكن تفاديها لولا قرارات التصعيد، ومن ثم قرار الانسحاب الكارثي من سيناء. ولكن الهزيمة وقعت وجاء وقت الامتحان الأهم في حياة الأمم.

 

يصف أحد أقرباء الصحفي والشاعر الراحل "صلاح جاهين" (فضل عدم ذكر اسمه) في لقاء مع رصيف22 نكسة 1967 بأنها كانت "هزيمة انهيار الثوابت التي عشنا وتربينا عليها منذ بداية ثورة 1952".

 

ويضيف أنه يذكر صرخات "لا، لا" في منزل العائلة أثناء بث خطاب عبد الناصر بعد الهزيمة، ويصف كيف رأى أفراد عائلته وهم يخرجون بشكل عفوي من المنزل يركضون إلى الشوارع في منطقة ميدان الذهبي، القريبة من منزل عبد الناصر في منشية البكري، والتي امتلأت بجموع من البشر الصارخين "حنحارب" بعد فترة وجيزة من خطاب عبد الناصر.

 

يقول قريب صلاح جاهين إن هذه الحشود نفسها ترسب لديها فيما بعد شعور عميق بالمرارة والخذلان تجاه عبد الناصر. إن أوضح مثال "لانكسار القلب كان صلاح جاهين الذي تملكته عقدة ذنب عميقة استولت على شعوره. ودخل في قوقعة رفض بعدها أن يتحدث عن الهزيمة أو عن أعماله الوطنية في فترة الثورة".

 

لقد مات صلاح جاهين وعبد الناصر معاً في الخامس من يونيو، ولكن أحدهما أجل رحيله ثلاث سنوات والثاني قرابة عشر سنوات. يروي قريب الصحافي أنه بعد أن أفرجت الحكومة المصرية عن أغاني ثورة يوليو عقب اغتيال السادات: "ذهبت بحماس لأشتري الأشرطة من السوق، وحين قلت له إنني اشتريت أغانيك الوطنية رد قائلاً: حتسمع الأغاني وتشتمني، مش كده؟"

 

ربما تلخص حالة صلاح جاهين في التعامل مع النكسة شعور شعب بأكمله، انكسرت أمامه أدوات الحلم الذي عاش يتمنى تحقيقه فتخلى عن الحلم كله.

 

كان مشروعاً ضخماً لبناء عصري جديد ولما اكتشفنا أخطاء في العمل والتنفيذ لم نقف لنشخص ونصلح بل هدمنا البيت وأدرنا له ظهورنا بدون أي بديل. وهكذا بقينا في سقوط حر منذ 5 يونيو حتى الآن.

 

أما اليابان وألمانيا فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عانت الدولتان لا من الانهيار الاقتصادي لدولتيهما والخسائر البشرية لملايين الأرواح فحسب بل عانتا أيضاً من تحطم الشعور الوطني واستشراء الإحساس بالذنب كأمة وشعب على ما حدث.

 

 

وعى كل من اليابانيين والألمان أنهم مسؤولون كشعوب أيضاً عما قامت به قياداتهم من حروب عدوانية استجابةً لنزعات شوفينية عنصرية نمت في أوساط تلك الشعوب.

 

وربما كان هناك إحساس مشابه بين الشعوب العربية التي وعت بعد النكسة أن تأليه القادة ورفعهم فوق مستوى المحاسبة هما من أهم أسباب النكسة.

 

كذلك كان هناك وعي بأن تغييراً جذرياً لا بد أن يحدث في كل مناحي الحياة من تعليم ونظام اقتصادي وسياسي ليتم بناء أنظمة عصرية على أنقاض فشل الأمس.

 

لهذا وجدنا أن من أوائل ما قامت به اليابان هو إعطاء أولوية للنظام التعليمي وإصلاحه لأن هذا هو لبنة المستقبل الأساسية. كما شجعت الحكومة المبادرة الفردية في القطاع الصناعي، بل تحمل المواطن الياباني فرق السعر واشترى بضاعته الوطنية الغالية بسبب تحديد سعر الين من قبل الولايات المتحدة دعماً منه لاقتصاد بلده.

 

وفي ألمانيا التي استفادت من مشروع مارشال لإعادة البناء فقد استثمرت مواردها البشرية والعلمية الموروثة من النظام النازي في إعادة بناء القاعدة الصناعية للوصول إلى تفوق ملموس في غضون عقدين من الزمن.

 

الحرب هي أحد أشكال المواجهة الحضارية للتحديات وليست الشكل الأوحد لها. وبالنسبة للعرب فلم تكن هناك حالة عربية تتمخض عنها رؤية إستراتيجية للصراع مع إسرائيل، بل بقينا منذ ذلك التاريخ حتى اليوم نتعامل مع كل تحدياتنا السياسية والعسكرية والحضارية بروح ومنطق القبيلة.

 

لم يقم أي من العرب، وخصوصاً دول المواجهة التي خسرت أراضي في الحرب، بمراجعة نقدية عميقة وعلمية على مستوى الشعب بأكمله لتشخيص وعلاج أسباب الهزيمة. ولم تكن هناك رؤية بعيدة المدى للصراع مع إسرائيل على أنه صراع حضاري شامل وليس معارك عسكرية فقط.

 

وإذا أضفنا إلى هذا الحسابات القبلية والتناحر بين الدول العربية، لفهمنا لماذا لم يكن هناك على سبيل المثال توظيف لعوائد النفط المتضخمة بعد حرب 1973 في بناء قواعد صناعية في دول مثل مصر تمتلك بنية تحتية جاهزة للتقدم الصناعي والعلمي، وذلك تمهيداً لخلق ثقل صناعي واقتصادي وتكنولوجي يرفع العرب من مصاف الدول النائمة المستهلكة إلى دول لها كلمتها السياسية والاقتصادية في العالم.

 

فاليابان وألمانيا والصين بل حتى كوريا الجنوبية والبرازيل لا تمتلك مكانتها الدولية بسبب جيوشها بل بسبب ما شهدته من نهضة اقتصادية متكاملة.

 

يلخص الباحث الأمريكي نورفيل.بي.دي أتكن في مقاله "لماذا يخسر العرب الحروب؟" أسباب الهزائم العربية في النقاط التالية:

 

  • التصورات الثقافية الخاطئة عن العدو
  • المركزية المفرطة في اتخاذ القرار
  • عدم تشجيع روح المبادرة وتحديداً لدى الضباط الشباب
  • انعدام المرونة والتفكير الخلاق
  • التلاعب بالمعلومات إما بداعي الأمن أو لأن المعلومة هي القوة
  • التعليم المبني على التلقين
  • انعدام التعاون بين الصنوف المختلفة

 

وإذا أردنا ترجمة ما سبق إلى الحياة المدنية لوجدنا الديكتاتورية، وانعدام أفق المشاركة السياسية أمام الشباب، وفقدان روح التعاون والتخطيط بين الدول العربية رغم الهزيمة والتحدي المشترك، واستمرار أنظمة التعليم بصيغها البالية بعد الهزيمة.

 

كل ما سبق هو بالضبط ما عالجته ألمانيا واليابان وهما تبنيان بلديهما بعد الهزيمة الساحقة. وهو ما استبقاه النظام العربي الجمهوري والملكي مما جعل الحياة الفكرية والمشاركة السياسية خالية إلا من خيار الإسلام السياسي الذي لا يملك ما يقدمه للمستقبل سوى إعادة إحياء الماضي، وهو ما أفرز لاحقاً تنظيمات التكفير والرفض العنيف للنموذج المدني في الحكم والمجتمع.

 

وبالنتيجة، استعرت نار التدمير بدلاً من روح البناء لأن المستقبل لم يعد له وجود على الأرض بل انتقل إلى فردوس سماوي يتخيله اليائسون بديلاً لحياتهم. ونسينا أنه ليس لله جنود مخفيون، أو ملائكة محاربون ينوبون عن المؤمنين وينزلون من السماء ليحققوا النصر.

 

إن يد الله في التغيير هي الانسان، وعقله وإرادته وأخذه بأسباب عصره ليحقق ما يصبو إليه. أما الدروشة واستحضار الماضي عن طريق تغييب الوعي بسلفية لا اتصال لها بعالمنا، فهو ما عمق خسارة الأرض إلى خسارة الانسان والمستقبل وجعل داعش هو الثمرة المسمومة الأبرز لسنوات الهزيمة الخمسين.

 

ما لم تكن هناك رؤية للغد تضع الاستثمار في الشباب وسيلة، وبناء النموذج الحضاري الناجح سياسياً واقتصادياً واجتماعياً هدفاً، فسنبقى نعيش في ظلال 67 وإن اختلفت مسمياتها عاماً بعد آخر.

المصدر: رصيف22 - علي أديب

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)