إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | الاسرة والمرأة | حياتنا الجنسية | الجنس.. الوحش الجميل.. دراسة اجتماعية لتطور النظرة الدينية للجنس في الإسلام السني
المصنفة ايضاً في: حياتنا الجنسية

الجنس.. الوحش الجميل.. دراسة اجتماعية لتطور النظرة الدينية للجنس في الإسلام السني

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 5384
قيّم هذا المقال/الخبر:
4.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

أحمد عدلي أحمد

الجنس في الجاهلية:


شكلت القبيلة النظام الأساسي للعرب الذين عاشوا في الجزيرة العربية قبل الإسلام، والقبيلة تجمع بشري قائم على رابطة النسب الحقيقي، أو المفترض، والذي يقوم مقام الارتباط بالأرض لدى الشعوب الحاضرة،ولقد خلق هذا أهمية كبيرة للجنس الذي اعتبره العربي نشاطا مصيريا، وليس كما افترض بعض الباحثين أن ذلك الرابط الأبوي والحرص على سلامة الأنساب قد أدى إلى نوع من تقييد النشاط الجنسي ليصبح داخل أطر تسمح بضمان سلامة النسب الجامح، ويؤكد الدكتور الأنصاري أن الشرف الذي كان يعني عند الجاهليين أساسا الانتساب إلى آباء عليي القدر كان قوام القبيلة/ الدولة والبديل عن قيمة الانتماء إلى الأرض حيث لم تكمن تعني للعربي الكثير إذا منع خيرها، ومات نباتها، ووجب تبديلها،.و لذلك حل الدفاع عن الشرف محل الدفاع عن الأرض، فصار هو الغاية التي يموت العربي من أجل صيانتها،و الزود عنها، ولأن المرأة كانت وسيلة انتقال هذا النسب، والثغر الذي يتسلل منه الخصوم لاحتلال أرض القبيلة/ عرضها بنطفهم، فقد كان الدفاع عنها، أو عن فرجها بالأحرى مهمة مقدسة تسيل من أجلها الدماء، كما كان إنجاب البنات نكبة للأب فها هي الهموم تزداد بها، والثغور الضعيفة بها تزداد واحدا إلا أن يعاجلها الموت الذي يقول عنه المثل العربي أنه أحب أصهار الرجل إليه، وقد يستعجل الرجل قدوم ذلك الصهر المحبب فيئد ابنته في التراب، وهي الممارسة التي يؤكد القرآن حقيقة وجودها في اثنين من آياته. ولا شك أن ذلك قد أكسب المرأة وضعا متناقضا فهي مكروهة، ولكنها مهمة لكي يستمر نسل القبيلة،و يزداد رجالها القادرون على حمايتها فهي بهذا المعنى شر لا بد منه كما ينسب إلى "علي بن أبي طالب" أنه قال، كما أن ذلك الوضع قد ركز الطابع العملي في الجنس إلى أكبر حد، فكان طلب الولد سببا مصرحا به لممارسة الجنس، بينما أخذ الجانب الاستمتاعي والعاطفي في العلاقة دورا ثانويا، فالوطأ هو الجنس بألف ولام القصر، وما عداه مقدمات لا تدخل في صلب الموضوع، وليست ضرورية، وانطلاقا من هذه القراءة للدور الاجتماعي للجنس نستطيع أن نتفهم لماذا اعتبر الجنس دائما نشاطا ذكوريا، فالمرأة هي المشروع الذي يستثمر فيه رجال القبيلة نطفهم من أجل المزيد من الأبناء الذين تعلو بهم القبيلة، والواقع أنني أندهش لتلك الصراحة العبقرية التي تكلم بها الذكر العربي القديم عن الجنس حتى إنني أرى في كلامهم خلاصة ما يتدارسه علماء البيولوجي حول غريزة البقاء، وتأثيرها المحوري في سلوك الأحياء {بما فيهم البشر} ذلك الكلام الذي يستنكره الكثير من الدينيين اليوم باعتباره انتكاسة بالإنسان إلى الحيوانية رغم أن العربي لم يكن يعتقد بالنشوء والارتقاء أبدا، ولكنها روح البادية التي تأبى التخفي، وترى البلاغة هي تعبير الكلام عن مقتضى الحال، ومن هنا نستطيع أن ندرك لماذا أتبع امرؤ القيس ذكر النساء، وولههن به، واستكثاره منهن مباشرة بفخره بشجاعته، ومنجرده الذي قيد الأوابد هيكل، إذ أن الجنس لديه كان مرتبطا بالغزو، والشجاعة، فوطء النساء هو بشكل ما نوع من الفتح لذا لا نعجب أبدا إذا وجدنا الشاعر العربي يفخر بمعاشرة زوجة رجل آخر دون أن يجرؤ هذا الرجل على الدفاع عن شرفه، رغم أنه هو نفسه لا يتوانى عن الزود عن عرضه، أو هو يدعي ذلك في شعره، فلم يكن الزنا نفسه معيبا في المجتمع الجاهلي كما لم يكن القتل أو السرقة أو قطع الطريق كذلك، فالقبيلة هي الحقيقة الوحيدة المقدسة في عالم ما قبل الإسلام:هي التي يحرم دمها، وعرضها بينما الآخرون بأنفسهم، وأولادهم، ونسائهم هم غنيمة حرب، فبالرغم من أن القبائل العربية لم تكن تمارس القتل الموسع ضد بعضها {فكان عدد ضحايا الغزوات العربية قليل بالنسبة لتكرارها}إلا أن ذلك كان لتقليل العواقب المحتملة على القبيلة من خلال الثأر، وبرغم أن الكرم كان محمودا بين العرب إلا أنه كرم الشحيح، فهو ينفق ابتغاء السمعة، وليس شعورا بمسئولية إنسانية، فمن ينفق لا يخشى الفقر، فماله كثير، وعزه كبير، وإن أنفق على بني قومه فسينال بينهم مكانة، وتكون له فيهم كلمة، وإن أنفق على غريب فهولا ريب شاكر له , ولقومه بين القبائل الأخرى إلا أن يكون لئيما{ولذلك كان المن شائعا، وهو تذكير المحسن إليه دائما بنعمة المحسن، وكان النموذج الأمثل على ذلك يوم خرج أهل مكة لبدر ليطعموا الطعام، وتغني لهم القيان،ويسمع بهم العرب، وقد وصفهم القرآن بأنهم خرجوا من ديارهم أشرا ورئاء الناس }، وعلى ذلك فكل ما ذكرنا لا ينبغي أن يجعلنا نتصور أن حرص العربي على عرضه قد دفعه إلى تحديد العلاقات الجنسية، أو النظر إليه باعتباره نشاطا مذموما، بل على العكس فقد كان الجنس واقعا ضمن شبكة الاعتداءات المتداخلة بين القبائل العربية المتناحرة، وقد كان مطلوبا من الرجل أن يزود عن عرض قبيلته، وربما عن عرض أحلافه ولكن ليس مطلوبا منه أن يحفظ أعراض الآخرين، فكانت معاشرة البغايا ممن لا أهل لهن شائعة، وكن حسب كتب الحديث يضعن على بيوتهن رايات حمراء يعرفن بها، بل ربما قبلت بعض البيئات العربية أن يكون الشيخ العربي قوادا يتكسب من بغاء جواريه {طالما لم يستولدهن}، وتروي كتب أسباب النزول في قوله تعالى:"ولا تكرهوا فتياتكم على النكاح إن أردن تعففا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن لغفور رحيم أن رأس النفاق "عبد الله بن أبي بن سلول" كان له جاريتان يستكرهما على البغاء، وكانتا مؤمنتين فكرهتا ذلك، ولا يمكن أن نعتقد أن" ابن سلول "، وقد كان من كبراء القوم حتى قيل أنهم كانوا بصدد تنصيبه ملكا قبل الهجرة كان يفعل فعلا مستنكرا بمقاييس الجاهلية، كما عرفت بعض نساء الجاهلية على غير الشائع في تصورنا مساحة من الحرية الجنسية: تروي السيدة عائشة رضي الله عنها ثلاثة أنواع من النكاح غير ما نعرفه اليوم من نكاح البعولة، أحدهم: أن يرسل الرجل زوجته لآخر بعد أن تطهر من طمثها لتستبضع منه طلبا للولد{يبدو أن الزوج في هذه الحالة بكون عقيما}، والثاني: نكاح المخادنة: وهو أن تجامع المرأة أكثر من رجل واحد{دون العشرة} ثم تلحق الولد بنسب من تشاء منهم، أما الأخير فهو نكاح البغايا الذي ذكرناه سابقا، ويبدو أن السيدة عائشة استخدمت كلمة نكاح بمعنى معاشرة جنسية متواضع عليها عرفيا، وليس بمعنى زواج، فنوع واحد على الأقل "البغاء" لا يمكن أن يسمى طرفاه أزواج بأي معنى فهم يلتقون لدقائق ثم يفترقون، وحتى نستطيع فهم التعارض الظاهري بين الحرص على النسب الذي هو عماد الانتماء القبلي، وبين تلك الحرية الجنسية للمرأة ينبغي علينا أن نفهم طبيعة النسب القبلي كرابط افتراضي أكثر من أي شيء، حتى أن الرجل ليدعو الرجل ابنه فيصير منه بمثابة الابن: يرث مع الوارثين، ويحرم عليه ما يحرم على الابن من النساء، وهناك دليل آخر على قوة هذه العلاقات اللفظية، والتي كانت نكتسب عند العرب قوة القرابات الفعلية، وهو الظهار بأن يقول الرجل لزوجته أنت علي حرام كظهر أمي فتحرم منه، ولذلك فإن الرجل العربي قد يقتنع بأن ينسب إليه ولد من خلال اختيار امرأة جامعها مع رجال آخرين أو بالقرعة كما نجد في أثر آخر طالما أن العرف يقبل بذلك دون أن يشغل نفسه بحقيقة ذلك النسب، بل وأن يرضى بأن يكون له ولد وهمي من جماع امرأته بآخر بدلا من أن يموت دون
وعقب طالما قد حرمه القدر من القدرة على الإنجاب، ولكن الأمر يختلف حين يغزو أحدهم حريمه، ويدس على نسبه دون رغبته بطريقة لا يقبلها العرف الذي يخضع الجميع لسطوته، فهو عندئذ العار الذي لا يغسله إلا الدم.


الجنس في الإسلام:
جاء الإسلام إذن والعلاقات الجنسية في المجتمعات العربية متشابكة، والجنس نشاط عادي لا ينظر إليه باعتباره كائن غريب، أو فعل مخجل، بل العكس هو الصحيح، وجاء الإسلام ليجد القبيلة أساسا لمجتمع يقدس الآباء، ويفخر بهم، ويجد النسب يعلي بعض الناس على بعض بغير سابقة من فضل خلق، وأثارة علم، وجاء الإسلام إلى مكة المدينة الحرام ليجد على الناس سلطة أخرى سوى سلطة أصحاب النسب الجليل، وهم أصحاب المال الوفير، فقد تحول معظم سكان المدينة الحجازية منذ جيلين على الأكثر إلى تجار يحملون بضاعة اليمن إلى بلاد الروم، ويجنون من ذلك المكاسب الوفيرة، وقد كان بنو أمية أكثر من استطاع تحقيق منافع كبيرة من ذلك التطور التجاري، فزادت ثرواتهم،و ازداد معها نفوذهم حتى جاوز نفوذ بني هاشم، وهم أشرف بطون قريش طبقا للمفاهيم العربية باعتبارهم المسئولين عن خدمة زوار البيت الحرام، وإطعامهم، ولم يكن ينافس بني أمية سوى بني مخزوم الذين وصلوا إلى ذلك بقوتهم العسكرية غير أن القيم التجارية المحدثة لم تزح من طريقها قيم القبيلة بشكل مؤثر، فقد كانت الفترة التي شهدت ذلك التطور التجاري قصيرة لا تسمح بحدوث تغير جذري في القيم خاصة في المجتمعات التقليدية التي تتحول ثقافيا بشكل أبطأ بكثير، كما أن مكة كانت تسبح في بحر عربي يقدس القيم القبلية، وكان احترام هذه القيم ضرورة إذا أرادت مكة أن تحافظ على الاحترام الفريد من العرب لها باعتبارها حارثة البيت، وهو ما سمح لها أن تعيش في سلام وسط تلك البيئة الممتلئة بالحروب والصراعات، لذلك فقد احتفظت قيمة الشرف التقليدية بمكانتها في مكة رغم التغيرات الثقافية التي شهدتها حياة أبنائها مع قدوم التجارة وثرواتها.
لكي نستطيع أن نفهم كيف نظر الإسلام إلى الجنس فيجب علينا أن نقرأ الآيات التي تتحدث عن الجنس في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية التي تتعرض له، ثم نضعها في سياقها النصي، ونناقش القضايا الاجتماعية التي جاءت لكي تتشابك معها، وتحدد موقفا منها، ويجب أن نوضح أننا نناقش هنا رؤية الإسلام للجنس كقيمة وتقييمه له كنشاط بشري، ولدور كل من الشريكين فيه، ولسنا بصدد مناقشة رؤية الإسلام لأي قضايا أخرى مثل نظام الأسرة أو اللباس فهو مما سنناقشه فيما بعد إن شاء الله...
إن القراءة الأولى للنصوص التي ترتبط بالجنس لا بد أن تلاحظ أربعة سياقات رئيسية مختلفة للآيات التي تتعرض لذلك الموضوع بصورة مباشرة أو غير مباشرة:
السياق الأول هو الذي يتعرض للجنس في معرض الحديث عن نعم الله على البشر من خلق، وإكثار، ونحو ذلك: ومن هذه الآيات:
"يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعووا الله مخلصين له الدين لئن آتيتنا صالحا لنصدق ونكون من الشاكرين "
"ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة""هو الذي خلقكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع"
"أفرأيتم ما تمنون ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون"
هذه الآيات وغيرها جاءت في سياق التفضل على البشر، والكافرين منهم خاصة، بتنبيههم على نعمة عظيمة من نعم الله عليهم وهي خلقهم،وخلق أزواجهم، وإنسالهم كما جاء بالآية الأولى والثانية،أو خلقهم وخلق أزواج لهم ليسكنوا إليها وبجعل المودة والرحمة بينهم، أو بخلق المني الذي يمنونه كما في الآية الخامسة، ونلاحظ هنا تأكيد القرآن الكريم على الدور الهام الذي يلعبه النشاط الجنسي في بقاء البشرية، واستمرارها، لكنه يؤكد في الوقت نفسه على نعمة السعادة الشخصية التي تتحقق من خلال المودة والرحمة بين الأزواج.
السياق الثاني الذي يتعرض للجنس هو سياق التحذير من الشهوات، كما في قوله تعالى: "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده أجر عظيم " فالجنس إذن أول الشهوات غير أن ذلك لا يعني أن الجنس مبغوض في الإسلام باعتباره شهوة كريهة، ذلك لأن الشهوات في القرآن ليست كريهة مع الاعتراف أنها زائلة فليس كل زائل كريه، ولم يطلب الله من الإنسان ألا يمارس شهواته، بل ألا يتبعها، والفرق كبير، فالشهوات ليست القيمة السلبية في الإسلام، فقد شغل القرآن بإيجاد المنافذ لهذه الشهوات فسمح لمن لم يقدر على زواج الحرة أن يتزوج الإماء حتى يخفف عنه، كما أن الجنة الموعودة كما توصف في القرآن هي دار السلام، ودار الشهوات أيضا، فالآية السابقة تصف الشهوات بالمتاع، والمتاع زائل حقا لكنه ضروري جدا لإكمال الرحلة الشاقة في هذه الحياة الدنيا.
أما السياق الثالث فهو الذي يقع فيه الجنس وسط حكاية قرآنية مثل قصة يوسف، وقصة لوط، ففي قصة يوسف تظهر الشهوة الجنسية للمرأة كعامل محرك للقصة فامرأة العزيز التي فتنت بجاذبية يوسف الجنسية الشديدة تبدو مستعدة لفعل أي شيء والتضحية بكل قيمة من أجل أن تحظى به عشيقا، بينما الرجل في القصة يبدو بمظهر الحكيم القاهر فوق شهوته، بهذه الفكرة يمكن أن تصبح هذه القصة رافدا ضمن الصورة السلبية للمرأة كجالبة للعار، وغير أمينة على شرف عائلتها، لكن ذلك الاستنتاج ليس مقصودا في القصة التي تتحدث عن صبر الإنسان الصالح يوسف على الشهوات، وعلى السجن في سبيل فضيلة الوفاء لسيده الذي أكرم مثواه، ومن أجل عدم إغضاب الله{الذي لا يهدي كيد الخائنين}، وتعد الصابرين على الضراء بفرج الله إذا ثبتوا على مبادئهم، وهي بذلك تثبيت للمؤمنين المضطهدين، والمحاصرين في شعب أبي طالب من قبل إخوتهم الذين ظلموهم من بني قومهم، وتأكيد لهم أن نصر الله قادم لمحمد كما جاء يوسف {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا أتاهم نصرنا}، ويكاد القارئ لسورة يوسف يعجب عندما يكتشف أن امرأة العزيز لم توصف بأي وصف سلبي قوي على طول السورة رغم حدة الأوصاف التي يطلقها القرءان عادة على أعداء الأنبياء {فلم يصفها القرآن بالفاسقة، أو الفاجرة، أو المجرمة، أو المفسدة كما وصف قوم نوح، والتسعة رهط من أصحاب صالح، وفرعون، وهامان، وقارون، وغيرهم}، بل يكاد يعتذر لها ضمنيا فإغراء جاذبية يوسف كان شديدا لدرجة أن النسوة اللاتي سخرن منها في بادئ الأمر قطعن أيديهن حين دخل عليهن، أما يوسف فهو لم يثبت بفضل القوة الطبيعية للرجال في هذه المواقف، ولكن لأن الله قد ثبته بفضل منه، ورغم كل ما يتحايل به المفسرون لكي يراوغوا هذا التفسير القرآني لتمنعه، فإنه لا يثبت أمام قوله تعالى" وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبانا المخلصين" فامرأة العزيز قد فعلت ما فعلت لأنها لا تعرف الله وتتبع شهواتها، أما يوسف فهو من عباد الله المخلصين وبعلم أن الله لا يحب الخائنين، وكما اتبعت امرأة العزيز شهواتها فإن قوم لوط كذلك قد اتبعوا شهواتهم في معاشرة الرجال، ونظرة على قصة لوط في أي موضع ذكرت فيه من القرآن كافية لنعلم أن القرآن لا يتعاطف مع هذا النوع من العلاقة الجنسية فهي برأي القرآن بدعة مغايرة لفطرة الإنسان، وقوم لوط لم يكتفوا فقط بممارسة بدعتهم بل هددوا لوط بالرجم لأنه يدعوهم ألا يفعلوا ذلك، بل أرادوا أن يغتصبوا ضيوفه، هذا النوع من الممارسة الجنسية ليس مرحب به في القرآن إذن.
وتشكل آيات الأحكام الشكل الرابع من الآيات التي تتعلق بالجنس في القرآن، ومن هذه الآيات:
" أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها"
" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم"
" ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاجتنبوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن فأتوهن من حيث أمركم"

وتثير بعض هذه الآيات مسألة هل يرى القرآن الجنس فعلا مشتركا أم فعلا ذكوريا، وهل المرأة مجرد مفعول به أم شريك في العملية الجنسية، ولا شك أن سورة يوسف تؤكد لنا أن القرآن يعترف برغبة المرأة الجنسية، ولكن أي رغبة هنا: هل رغبة بأن تفعل الجنس، أم أن يفعل بها الجنس ؟ يبدو من القراءة الأولى لمعظم الآيات المذكورة أن الجنس فعل ذكوري بالأساس، فالذكر هو الأصل الذي خلقت منه الزوجة لكي يسكن إليها، وآية آل عمران تشير للجنس "بالنساء" وكأنه متعة للرجال إذن، ومعظم الآيات تطلب من الرجل أن يفعل بالمرأة التي توصف بأنها حرث في أحد هذه الآيات، فالآيات تقول:{باشروهن، فأتوهن، لا تقربوهن،....الخ}، ولكن القراءة الأكثر تأنيا تضيف لنا الكثير، وبداية يجب أن نلاحظ ثلاثة أمور: الأول هو طبيعة اللغة العربية التي لا توجد بها أية ألفاظ محايدة، والتي تمنح كذلك اللفظ المذكر السيادة على اللفظ المؤنث، والأمر الثاني هو طبيعة الرؤية العربية للجنس كنشاط ذكوري بالأساس، وأما الثالث فهو حقيقة أن الرجل في جميع الثقافات مارس، ويمارس نوع من السلطة الجنسية، فحيث أن الجزء الأساسي من الجنس وهو الإيلاج لا يتم إلا إذا أدخل الرجل قضيبه في فرج المرأة مما يجعل للرجل في العلاقة القدرة {ولو النظرية} على إتمام الممارسة أو لا خاصة مع وضع فرق القوة الجسدية والاجتماعية في الاعتبار، وبقراءة الآيات بصورة أكثر دقة يمكن أن نقرأ الكثير من التباين بين رؤية القرآن لطبيعة العلاقة الجنسية، وبين ما كان سائدا بين العرب، فعندما يتحدث القرآن عن خلق الزوجين فهو يشير إلى خلقهما من نفس واحدة، وليس لخلق أنثى من ذكر، فلا يوجد في القرآن أي إشارة لجنس هذه النفس الواحدة الأولى في أي آية من آيات الخلق، غير أن المفسرين قد تجاهلوا ذلك عندما فسروا هذه الآيات بما جاء في سفر التكوين من أن الله قد خلق آدم أولا ثم رأى أنه ليس جيدا أن يكون آدم وحده، فأخذ من ضلعه جزءا جعل منه امرأة دعيت حواء، والحقيقة أن هذه القصة لم ترو بذلك الشكل أبدا في القرآن رغم شيوعها الكبير عند جماهير المسلمين على مختلف ثقافاتهم وبيئاتهم والحق أن آية الأعراف " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، " تبدو ذات اتجاهين فقد نفهم منها أن النفس الأصلية هي الذكر الذي خلق منه الزوج "الأنثى" لكي يسكن الذكر الأصلي إليها، فلما تغشاه حملت، وقد نفهم العكس تماما، فنتصور أن النفس الأولى أنثى، وقد خلق منها الزوج"الرجل" لكي يسكن إلى الأنثى الأصلية، وكلا الفهمين مقبولين تماما في إطار المنطق النحوي، وبرأيي أن هذا اللبس مقصود تماما، وهذا نوع من الإعجاز القرآني الفريد، فقد استغل النص استخدام كلمة زوج في العربية للإشارة إلى الرجل والمرأة لكي يقول جملة مقدسة تعني الشيء وعكسه نماما، والمقصود من ذلك أن يقول بعضكم من بعض متجنبا أن يجعل من الرجل أو المرأة أصلا للبشرية، أما آية الروم" ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها " فلا تخرج عن ذلك إذ يجب أن نفهم أنفسكم بالآية على أن المقصود بها هو جماعة الرجال، والنساء، فاللغة العربية تعبر عن هذه الجماعة بالمذكر، والدليل أنه قد أتبعها بقوله"وجعل بينكم مودة ورحمة" أي أنه قد جعل للرجال أزواجا من النساء وبالعكس، وقوله تعالى" من النساء "في آية آل عمران فإنه استخدم فيها إحدى كنايات العرب عن الجنس، لأن العرب لم تكن تستخدم مصطلحا محددا في ذلك، واستخدام مصطلح "جنس" لذلك أمر مستحدث فهو في اللغة القديمة يعني "نوع" مثل قولنا "لا النافية للجنس"، أو "هو من جنسه"، واختيار الله لهذه الكناية تحديدا مع ذكر حب القناطير المقنطرة، والأنعام، والحرث، فلأن حب الرجال للنساء بشكل عام به هذه النزعة التملكية بنفس منطق امتلاك الأموال والأعراض، كما أن الرجال هم الأكثر تكالبا على الأموال، والأنعام من النساء في مجتمع البعثة النبوية، أما آيات الأحكام فهي تضع الحكم على من يملك القدرة على التوقف عن الفعل، فهذه الآيات تتحدث عن الإيلاج، وهو الجانب من الجنس الذي يرتبط بشكل أساسي بالرجل، وهو الذي تحظره الآيات في الصيام، والطمث، وربما تظل آية "نساؤكم حرث لكم " هي الأكثر التباسا لأنها تجعل من المرأة مجرد حقل للرجل، ونطفه، وتجعل تحديد الوضع الجنسي من نصيب الرجل وحده، ولكننا يجب أن نلاحظ كيف ترتبط النصوص بالواقع الاجتماعي، والمفاهيم السائدة في عقول المتلقين حيث الجنس فتح ذكوري، ولكن النص مع ذلك لا يقبل بذلك تماما، ويؤكد على ضرورة إشراك المرأة من خلال مقدمات الوطأ التي تساعد المرأة على بلوغ النشوة الجنسية، وتدخلها كجزء فاعل في العملية الجنسية، هذه المقدمات التي يطلبها القرآن من المسلم بصيغة الأمر "وقدموا لأنفسكم"، وهو ما يقصده النبي في ما روي عنه أنه قال"لا يقع أحدكم على امرأته كما يقع البعير"، {والمتأمل في هذه الآية سوف يجد عبقرية في اختيار كلمة حرث، وقد غفل الكثير عن التنبه لما في هذه الكلمة من أناقة المجاز، فالمرأة بالنسبة للرجل أرض خصبة يبتغي منها ثمرة زرعه وهي الولد، وبالنسبة إلى المرأة فالرجل هو الزارع الذي يفجر طاقاتها الكامنة في إنتاج حيوات جديدة، وهو مجاز لا يفارق الصراحة في تمثيل العلاقة بين الرجل والمرأة في أهم جوانبها، أما ما قد يثار من اعتراضات حول جفاف هذا المجاز وعدم تعبيره عما يجب أن يكتنف هذه العلاقة من عواطف لا يلاحظ تلك العلاقة الحميمة التي تربط بين المزارع وأرضه هذه الأرض التي تمنحه رزقه والتي هي مصدر قوته، ومما يلفت الانتباه أن المخاطب الأول بهذه الآية هم جماعة المدنيين الذين استنكروا أحد الأوضاع الجنسية التي كان يمارسها المكيون، وهو إتيان المرأة في قبلها من الخلف متأثرين في استنكارهم بالثقافة اليهودية، ومن المعلوم أن المدنيين كانوا من القلة القليلة من العرب التي كانت تمارس الزراعة}، أما إذا انتقلنا إلى الأحاديث المنسوبة إلى الرسول{ص} باعتبارها موضحة للقرآن، وشارحة له فسنجد أن الأحاديث المنسوبة للرسول {ص} تجعل من الجنس فعلا إيجابيا للغاية، وعادة ما يطالب المربون المحدثون برفع التابوهات عن الجنس باعتباره نشاط بيولوجي طبيعي مثل الطعام، والشراب، ولكن الأحاديث المنسوبة للنبي {ص} ترفع الجنس درجات فوق الطعام، والشراب، فبينما معظم ما ورد من الأحاديث التي صح سندها إلى النبي{ص}يحذر من الطعام، وكثرته، ويصف المعدة بأنها بيت الداء، إلا أنه قد ورد عن النبي فيما صح سنده " وفي بضع أحدكم صدقة"، كما ورد " حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، ولم يرد حديث عن النبي ينهى عن الجنس، أو يطالب بتقليل جرعته، ولم يروى عن النبي {ص} أنه كان يفعل ذلك، بل روي عنه أنه قد يجامع كل أزواجه في ليل واحد، وبغسل واحد، وأنه كان عادة ما يصطحب إحدى أزواجه في أسفاره، وحروبه، والحق أن النبي{ص} كان نوعا من الرجال لا يستطيع أن يعيش بدون أن تكون امرأة بقربه، ولكن ذلك لا يعني أنه كان رجلا هوائيا، أو مدمنا للجنس فحبه للنساء لم يمنعه يوما عن الاضطلاع بمهام الدعوة أو شئون الجهاد، وأحوال المسلمين، ولم يشغله يوما عن صلاة مفروضة، أو نفل مما اعتاد أن يتنفل به إلى ربه كما كان تعامله مع النساء كأرقى ما يكون، فيروى عن أنس أنه قال: " ما ضرب النبي {ص} خادما قط ولا امرأة" وقد كان قلقا دائما من التصريح بضرب النساء في سورة النساء، وحاول بكل سبيل أن يقلل من نتائجه السلبية بقول " لقد طاف أمة من النساء ببيوت النبي{ص} يشتكون ضرب أزواجهم ليس هؤلاء بخياركم"، ويقول " كيف يضرب أحدكم زوجته في أول يومه ثم يجامعها في آخره" أو كما قال، وقد شغل الباحثون من المسلمين، وغيرهم بتعدد زوجات النبي{ص} وقد تعثر الكثير من العلماء أمام شبهات أثيرت حول ذلك الموضوع، وقلقوا مما قد يوحي به تعدد زيجات النبي تلك من أنه رجل شهواني غارق في متع الدنيا، فتكلفوا مبررات عجيبة لكل زيجة، فهذه تزوجها لكي يوطد علاقته بأبي بكر، أو عمر بن الخطاب { وكأن علاقته بهما كانت تحتاج إلى أي توثيق}، وتلك تزوجها بعد أن استشهد زوجها وعائلها في غزوة، أما تلك فقد تزوجها ليوطد تحالف المسلمين مع هذه القبيلة، ولو كان زواج النبي كبيرة {ص} بالأرامل هي الطريقة التي ارتضاها لتوفير رعاية لهن لكانت قائمة زوجاته قد تضاعفت عدة مرات، وأضيفت إليها العشرات عقب كل غزوة، أو سرية، ولو كان زواجه من قبائل عديدة هي الطريقة المناسبة لكي يصنع التحالفات لوجب أن تشمل قائمة أزواجه نساء أخريات من قبائل أخرى تحالف معها المسلمون، ثم احتجوا بأن معظم زوجات النبي{ص} ثيبات تجاوزن سن الشباب، وقد نسي هؤلاء أن النبي كان أكبر منهن، فجلهن قد تزوجن الرسول{ص} وكن بين الثامنة والعشرين، والأربعين بينما هو قد تجاوز الخمسين، وهو ما ذكره النبي {ص} فيما روي عنه عندما نبهته "أم سلمة" عندما خطبها أنها ليست صغيرة فأجابها النبي {ص} أنه أكبر منها. والحقيقة التي يهرب منها العلماء المحدثون واضحة لمن يريد أن يرى، وهو أن النبي قد تزوج غالبية زوجاته لأنه أراد أن يتزوجهن، وأن اختياره لهن كان على أساس شخصي، وأنه في ذلك لم يخرج عن إطار المألوف، بل المتوقع منه كزعيم عربي في القرن السابع، بل أعظم زعيم عربي في عصره، حيث كانت كثرة النساء شائعة بين شرفاء العرب وزعمائهم، فكان بذلك ابن بيئته وعصره، وقد رخص الله له في ذلك ثقة منه في نبيه، وقدرته على العدل بين جميع نسائه، وتقديرا منه تعالى لجهوده في نشر كلمته"الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلى الله وكفى بالله حسيبا"، والغريب أن الكتب القديمة لم تجد مبررا لافتراض كل هذه التبريرات، فالجنس وقتها ما كان قد اصطبغ بصبغة الدنس كما هو اليوم، ولم يكن أيا من المؤلفين يكتب بهذا المنطق الدفاعي، فالقرطبي، ومعظم المفسرين يروون عند تفسير قوله تعالى " وتخفي في نفسك ما الله مبديه" أن النبي {ص} قد أعجب بزينب بنت جحش عندما زارها، وقد كانت زوجا لزيد بن حارثة رغم أنها كانت قريبته، وقد رآها قبل ذلك كثيرا فلم تجذب انتباهه، فقال لنفسه "سبحان مقلب القلوب"، وبصرف النظر عن صحة الرواية، وبدون السؤال عن الكيفية التي تمكن راويها من معرفة ما دار في نفس الرسول على هذا النحو إلا أن المفسرين قد رووها، ولم يستنكرها معظمهم، فهي لا تقلل من شأن النبي {ص} بشيء عندهم فحتى لو صدقت فهو إذن ليس إلا رجل أعجبته امرأة متزوجة، فكتم ذلك في نفسه حتى عندما دبت الخلافات بين الزوجين وفكر الزوج بالطلاق، فقد قال له:"أمسك عليك زوجك واتق الله " حتى إذا وقع الطلاق وانقضت العدة لم بفعل إلا ما أحله الله له، غير أن المحدثين تنتابهم نوبة خوف مرضي من هذه الرواية، وتجدهم يتحدثون عن هجمات المستشرقين، برغم أن هذا الخبر رغم أي استغلال قد حدث له من أي حاقد قد روي في جل أمهات كتب التفسير، والسيرة، والطبقات، وغيرها.
هكذا ذكر الجنس في القرآن وهكذا ذكر في السنة القولية والفعلية وكما مارسه النبي {ص} نشاطا بيولوجيا واجتماعيا أساسيا يمارس بطبيعية ودون عقد، نشاطا اندماجيا يمارسه الشريكان بمودة وحب ويكون سببا في استمرار المودة والحب، ولكن ذلك لم يستمر في تاريخ الفكر الإسلامي حتى الآن، ولم يستمر في الوعي الجمعي للمسلمين أيضا فنحن اليوم نجد معظم المسلمين داخل الصورة المتناقضة التي تحدثنا عنها سابقا هذا التناقض الذي نلحظه في كل ما يتعلق بالجنس تقريبا، فالشاب يستنكر فكرة نشر الثقافة الجنسية ويراها فكرة إباحية خبيثة وخطيرة، ولكنه مع ذلك يحاول أن يعرف الكثير مما لا يعرفه حول هذا الموضوع ممن يتصور أنه أكثر منه خبرة في جلسات المقاهي، ومن على الإنترنت، والرجل يترفع أن يذهب إلى طبيب ذكورة، ولكنه يحاول أن يحصل علي المستحضرات الطبية والعشبية الشائع نفعها لعلاج نفسه من حالة العجز الجنسي التي يرفض الاعتراف بها، والدينيون يستنكرون نشر الكتب التي تحتوي على عبارات أو أوصاف جنسية، ولكن المكتبات الدينية التابعة للجماعات السلفية تنشر كتبا من أمثال التوهم للمحاسبي وتحفة العروس اللذين يوزعان آلاف النسخ بسبب ما تحتويه بعض فصولهما من مضامين جنسية، ولذلك وجب علينا أن نبحث كيف دخلت المضامين السلبية إلى مفهوم الجنس في وعي المثقف المسلم، وفي وعي الفرد المسلم العادي، وهو ما سنحاول التصدي له فيما يلي.


الجزء الثاني:
الجنس: حيوانية وقذارة
يقول الكاتب الإسلامي المعروف "سيد قطب" في كتابه "معالم في الطريق":

إن خط التقدم الإنساني يسير في اتجاه الضبط للنزوات الحيوانية، وحصرها في نطاق الأسرة على أساس الواجب لتؤدى بذلك وظيفة إنسانية ليست اللذة غايتها، وإنما هي إعداد جيل إنساني يخلف الجيل الحاضر في ميراث الحضارة الإنسانية التي يميزها بروز الخصائص الإنسانية.. ولا يمكن إعداد جيل يترقى في خصائص الإنسان، ويبتعد عن خصائص الحيوان، إلا في محضن أسرة محوطة بضمانات الأمن والاستقرار العاطفي، وقائمة على أساس الواجب الذي لا يتأرجح مع الانفعالات الطارئة. وفي المجتمع الذي ينشئ تلك التوجيهات والإيحاءات الخبيثة المسمومة، والذي ينحسر فيه المفهوم الأخلاقي، فيتخلى عن كل آداب الجنس، لا يمكن أن يقوم ذلك المحضن الإنساني..
في تلك الفقرة يتضح لنا نموذج للرؤية المعاصرة للجنس عند أحد أهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين، وبرغم أنه ليس ممثلا للثقافة الدينية الرسمية إلا أنه يمثل سلطة مرجعية هامة لكثير من المفكرين المسلمين الرئيسيين، وليس فقط للمتشددين، والحركات المسلحة كما هو شائع، فكتبه من أكثر الكتب مبيعا حتى الآن، وقد تأثر بأفكاره العديد من كبار الرموز الفكرية الإسلامية مثل الشيخ القرضاوي، والدكتور حسن حنفي، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي وغيرهم، وفكر "سيد قطب" يحتاج إلى دراسة مستقلة لبحثه بشكل كامل، ولكن القارئ لهذه الفقرة يلاحظ كيف يرى قطب الجنس باعتباره نشاطا حيوانيا ذميما يتوجب على التطور الإنساني أن يضبطه لكي يصبح وظيفة لا تهدف إلى اللذة، ونلاحظ كيف يفرق قطب بين ما يسميه النزوات الحيوانية، والخصائص الإنسانية، فالشهوة هي محرك الحيوان الأول، بينما الإنسانية تعتمد الجنس وسيلة لخلق جيل جديد، والواقع أن هذه التفرقة محض خيال، وليست أقل في وهمها من تصور أن هناك خط واضح للتقدم الإنساني باتجاه ما، هذه النزعة التاريخانية التي اقتبسها "قطب" من المناهج الشيوعية، وإن عدلها وطورها، ليجعل الإسلام غاية التطور التاريخي لا الشيوعية، والواقع أن تأثر "قطب" بالماركسية شديد جدا رغم هجومه الشديد على ماركس، والتفسير المادي للتاريخ وخلافه، وهذا جزء من التناقض الشديد في مشروع "قطب" الذي يستحضر ماركس على قدر ما يهاجمه، ولكن "قطب" الذي لم يتزوج أبدا، ولم يعقب رغم أنه أعدم ظلما وهو في الستين من عمره ينسى أن الأسرة نموذج شائع في العديد من الأنواع الحيوانية المعروفة، فالقطيع الذي ينتشر فيه الجنس الحر ليس هو النموذج الوحيد للجنس عند الحيوان، بل إن أنواعا مختلفة من السباع، والطيور، والأسماك تعرف أنواعا من الأسر التي يتعاون فبها الأبوان في رعاية الأبناء، كذا فإن نوع الغوريلا يعرف نمطا من الأسر الهارونية{نسبة إلى هارون الرشيد} حيث يكون للذكر فيها حريم من عدد كبير من الإناث، والتكاثر هو الهدف النهائي للجنس في جميع الأحياء:الإنسان والحيوان والنبات، واللذة هي وسيلة الحياة لدفع الأحياء نحو هذا الهدف لا خلاف في ذلك بين إنسان وحيوان، كما ينسى "قطب" والذي تصدى لتفسير القرآن أن القرآن لم يستنكر اللذة كمحرك للجنس بين البشر فقال" فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة"، بل قال إن البنين الذين يجعلهم "قطب" المحرك الكريم للجنس البشري هم كذلك شهوة من الشهوات مثل اللذة تماما يقول تعالى" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين"، كما يساوي القرآن بين زواج البشر والحيوان في الغاية والوسيلة "فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه"، وقد تزوج الرسول{ص} نساء لم ينجب منهن، وكانت عائشة أحب نسائه إليه بعد خديجة عاقرا، فلم يكن زواج النبي {ص} إذن من أجل إعداد جيل إنساني يخلف القائد الحاضر، وقد أباح النبي {ص} فيما روي عنه الممارسة الجنسية غير الكاملة بين الأزواج حين سئل عن ما يحل للرجل من امرأته الحائض، وهي ممارسة لا تهدف إلى إنتاج أجيال جديدة، فالإسلام إذن على عكس ما يزعم "قطب" لا يشمئز من اللذة الجنسية، ولا يتحرج من أن تكون المحرك الأول للجنس، وهو يدعو الإنسان المسلم لأن يقدر ضرورة الاستقرار الأسري، فيحض على عدم الطلاق، ويجعل الفراق بين المرء وزوجه شرا من أعمال السحرة، ويدعو الرجل لأن يرى الجانب المضيء في زوجته" فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" وقد روي عن الرسول{ص} قول " إن أبغض الحلال عند الله الطلاق"، ولكن إذا استحالت العشرة بسبب أو آخر حتى لو كان بسبب العجز عن تحقيق الإشباع الجنسي، أو إذا بردت العلاقة أو تبدلت القلوب، فالطلاق، أو الخلع هو الحل " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا"، "فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليكم فيما افتدت به"، ليس معنى ذلك أن الإسلام يشجع الطلاق، ولكنه يجعل لكل فرد الخيار في أن يقارن بين رغباته، وبين التزاماته الاجتماعية دون تدخل، وربما كان القدماء هم الأقرب من فهم هدف الزواج في الإسلام حين جعلوه إحصانا للمسلم والمسلمة، وطلبا للولد، والفقهاء يقضون بطلاق المرأة إذا كان زوجها غير قادر على إشباعها{وإحصانها بالتالي}، أما الأبناء فقد شرع القرآن ما يكفي لتوفير الرعاية لهم حتى في حال انهيار الأسرة، إن الزواج في الإسلام هو مؤسسة لممارسة الحرية الجنسية، وليس مؤسسة لتضييقها كما زعم قطب {وسوف نناقش قضايا الأسرة في الإسلام لاحقا}، غير أن "قطب" يحمل الإسلام وزر نفوره المرضي من الجنس، ذلك النفور الذي يجعله يعتبر تقييد النشاط الجنسي هو العلامة الرئيسة على تحضر المجتمعات ورقيها، فهو القيمة الرئيسية التي تتضاءل بجوارها كل قيمة، أما الحرية الجنسية فهي الرزيلة التي لا تقلل من فظاعتها أية فضيلة، يقول قطب في فقرة أخرى من نفس الكتاب:
وقضية الأسرة والعلاقات بين الجنسين قضية حاسمة في تحديد صفة المجتمع.. متخلف أم متحضر، جاهلي أم إسلامي !.. والمجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية في هذه العلاقة لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة، مهما تبلغ من التفوق الصناعي والاقتصادي والعلمي ! إن هذا المقياس لا يخطئ في قياس مدى التقدم الإنساني..
وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي ؛ بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الطابع الحيواني ! ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية.. إن المفهوم الأخلاقي يكاد ينحصر في المعاملات الاقتصادية - والسياسية أحياناً في حدود مصلحة الدولة - ففضيحة كريستين كيلر وبروفيمو الوزير الإنجليزي - مثلاً - لم تكن في عرف المجتمع الإنجليزي فضيحة بسبب جانبها الجنسي.. إنما كانت فضيحة لأن كريستين كيلر كانت صديقة كذلك للملحق البحري الروسي. ومن هنا يكون هناك خطر على أسرار الدولة في علاقة الوزير بهذه الفتاة ! وكذلك لأنه افتضح كذبه على البرلمان الإنجليزي ! {علامات التعجب من لدن سيد قطب}
فلا ينبغي أن نعجب إذن حين نرى الجماهير المتدينة تخرج في مظاهرات احتجاجا على نشر كتاب ما به بعض المفردات الجنسية، بينما يصابوا بالخرس عندما لا تفعل الحكومة شيئا لمنع بعض رجال الأعمال من سرقة أموال المودعين، والعبث بمصالح الدولة والشعب طالما أن "الشهيد سيد قطب" منظر الثورة الأول في الفكر الإسلامي يرى أن العبث بأسرار الدولة، والكذب على ممثلي الشعب شيء تافه من صغائر الأمور أمام كبيرة العلاقة الجنسية المتحررة.

والواقع أن "سيد قطب" يمثل النموذج الأبرز في اتجاه أصبح يسيطر على الفكر الديني في القرن الأخير، فهو ليس مبدع هذه الرؤية للجنس في ثقافتنا العربية الإسلامية، ولكنه الرجل الذي نظر فكرة "دنس الجنس" كما لم يفعل أي سابق له، إن هذا الاحتقار للجنس يمكن تتبعه منذ بداية القرن العشرين عندما صودرت أول طبعة من درة تاج الإبداع العربي "ألف ليلة وليلة" لاحتوائها على ألفاظ وأوصاف جنسية رغم أن هذا العمل الأدبي كان يروى لقرون في جميع المجالس العامة في مختلف بلدان المشرق العربي دون أن يسبب استياء للجماهير المتدينة التي تسمعه، والواقع أن الجنس كان مكونا أساسيا في بنية معظم التراث الشعبي العربي، حيث تذكر الأعضاء، والأوضاع بصراحة شديدة، وهو ما يعكس ثقافة شعبية متسامحة تجاه الجنس، وأكثر تقديرا لإبداع الفنان الشعبي من معظم الجماهير حاليا رغم أمية الغالبية الكاسحة في تلك الأزمان مما يبرز ضرورة التمييز بين درجة الوعي، والقدرة على القراءة والكتابة، وكما كان الفكر الديني متسامحا مع الجنس في الأدب الشعبي كان كذلك مع الأدب المدون من "عمر بن أبي ربيعة " إلى "أبي نواس" وغيرهم، فرغم ما يرويه الأصفهاني من أن أحد الحاضرين بمجلس "ابن عباس" قد هاجم "ابن أبي ربيعة" حين أنشأ يقول من رائيته الشهيرة "أمن آل نعم ":
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى أما بالعشي فيخصر
فعقب قائلا: رأت رجلا أما إذا عارضت فيخزى وأما بالعشي فيخسر
إلا أن الرواية تكمل قائلة أن ابن عباس قد أثنى على القصيدة قائلا: "ما زال هذا الفتى يهذي حتى قال الشعر"، والرواية إن صحت فهي دليل قوي لتقدير الإبداع الأدبي بتحرره في وصف المشاعر والرغبات البشرية من قبل مرجعية دينية أساسية مثل "ابن عباس" الذي أعجبنه{حسب الرواية} قصيدة تقول ضمن أبياتها:
فقالت وقد لانت وأفرخ روعها كلاك بحفظ ربك المتكبر
فأنت أبا الخطاب غير مدافع علي أمير ما مكثت مؤمر
فبت قرير العين أعطيت حاجتي أقبل فاها في الخلاء فأكثر
يمج ذكي المسك منها مقبل نقي الثنايا ذو غروب مؤشر
تراه له إذا ما افتر عنه كأنه حصى برد أو أقحوان منور
وترنو بعينيها إلي كما رنا إلى ظبية وسط الخميلة جؤذر
فعلى طول تاريخ الأدب العربي لم يتعرض معظم شعراء الغزل الصريح لاضطهاد بسبب أشعارهم الإباحية، أما ما تعرض له بعض الشعراء مثل "بشار بن برد" و"ابن عبد القدوس" من تعذيب أو قتل فقد كان بسبب اتهامهم بالزندقة، وليس للكتابة الإباحية، ولكن الأمر أصبح مختلفا الآن، فمن يتتبع الضجة التي أثارتها السلطات الدينية المصرية في أعقاب نشر كتاب" الوصايا في عشق النساء" ومن قبله العديد من الأعمال الفنية وصولا إلى قصيدة "صورة خصوصية جدا من أرشيف السيدة م" لنزار قباني التي نشرتها "صباح الخير" في بداية الثمانينيات يتضح له أن جزءا رئيسيا من دور السلطات الدينية أصبح متابعة ما ينشر من أعمال فنية ومنحها صكا بالشرعية، وهو دور لم تضطلع به المؤسسة الدينية السنية في أي مرحلة من مراحل التاريخ، بل إن بعض المحسوبين على هذه المؤسسة قد أنتجوا أعمالا لا تخلوا من تصريح بالجنس، وقد نبه "ابن قتيبة" تلاميذه محذرا من أن يمنعهم الخجل من قراءة بعض النصوص ذات المحتوى الجنسي التي قد يتعرضون لها أثناء دراستهم مؤكدا أن الإثم ليس في ذكر أسماء الأعضاء، أو وصف الأفعال، ولكن في تتبع الإعراض، وانتهاك الحرمات، ويعتبر كلام "ابن قتيبة" دالا جدا في هذا المضمار نظرا لأنه من مدرسة "أهل الحديث" التي تمثل تاريخيا الشق المحافظ في تاريخ الفكر السني، وإذا كان "ابن قتيبة" متسامحا مع قراءة النصوص الجنسية، فإن محدثا آخر هو الحافظ المحاسبي قد تقدم خطوة أخرى نحو إنتاجها في كتابه القصير المسمى "التوهم" وهو زيارة تخيلية للجنة والنار كتبها المحاسبي تحفيزا للمسلمين حتى يعملوا من أجلها الأولى وهروبا من الأخيرة، ومن خلال هذه الزيارة يسرح المحاسبي بخياله ليصور العلاقات الحميمة بين الرجل وبين نساء الجنة، وهو يبدأ كل فقرة من كتبه طالبا من قارئه أن يتوهم نفسه في موضع العذاب أو النعيم المذكور، وعندما بصل إلى الجنس في الجنة يطلب من المؤمن أن يتوهم نفسه حين يقع بصره على نساء الجنة، ثم أن يتوهم نفسه وهو متكئ على أريكته الذهبية وحوله أصناف النساء، ثم أن يتوهم نفسه عندما تأتي إليه إحداهن وهو متكئ وتلاعبه، ويستمر المحاسبي في توهمه متجاوزا الكثير من الخطوط الحمر في عمل أدبي يبدو أنه يقصد الوصف لا الوعظ، ولم يكن المحاسبي متناقضا مع نفسه كإمام وقور؛ فما هو محرم عنده هو الزنا لا الجنس، ولما لم يكن هناك زنا في الجنة فلا بأس إذن بالتمادي في وصف الجنس الحلال، وإذا كان المحاسبي قد تحدث عن الجنس في الجنة فإن سلفيا آخر هو "ابن قيم الجوزية" ينتج نصا جنسيا تعليميا هذه المرة من نوع الثقافة الجنسية التي يدور حولها الجدل حاليا، وذلك ضمن كتابه الأشهر "زاد المعاد من هدي خير العباد" في فصل بعنوان "قي هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع" وفيه يبدأ ابن القيم بعرض لأهمية الجماع في حفظ الصحة عارضا لما وصله من أقوال فضلاء الأطباء في عصره، أو من أقوال أطباء اليونان بما يكشف عن ثقافة واسعة لذلك العالم الإسلامي الجليل، يقول:
وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة. قال جالينوس: الغالب على جوهر المني النار والهواء ومزاجه حار رطب لأن كونه من الدم الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية وإذا ثبت فضل المني فاعلم أنه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النسل أو إخراج المحتقن منه فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة منها: الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة كما ذكرنا ولذلك تدفعه الطبيعة بالاحتلام إذا كثر عندها من غير جماع.
وقال بعض السلف ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثا: أن لا يدع المشي فإن احتاج إليه يوما قدر عليه وينبغي أن لا يدع الأكل فإن أمعاءه تضيق وينبغي أن لا يدع الجماع فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها. وقال محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه وانسدت مجاريها وتقلص ذكره. ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم ووقعت عليهم كآبة بلا سبب وقلت شهواتهم وهضمهم.
وبعد ذلك ينتقل ابن القيم إلى ذكر تحريض النبي على النكاح، وحبه له، ثم ينتقل إلى مبحث حول كيفية المعاشرة الجنسية، ويبدأ قائلا:
ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومص لسانها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبلها.
وروى أبو داود في " سننه " أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها.
ويذكر عن جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل الملاعبة.
ثم يتحدث عن الوقت الأنسب للجماع من وجه نظره فيقول:
وأنفع الجماع: ما حصل بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حره وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه. وضرره عند امتلاء البدن أسهل وأقل من ضرره عند خلوه وكذلك ضرره عند كثرة الرطوبة أقل منه عند اليبوسة وعند حرارته أقل منه عند برودته وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة ولا نظر متتابع ولا ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها ويحمل نفسه عليها وليبادر إليه إذا هاجت به كثرة المني واشتد شبقه.
بعد ذلك يعرج ابن القيم إلى أوضاع الوطأ، ويذكر ما يراه منها جيدا أو مستقبحا:
وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة مستفرشا لها بعد الملاعبة والقبلة وبهذا سميت المرأة فراشا كما قال صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء [ النساء 34 ] وكما قيل"إذا رمتها كانت فراشا يقلني وبعد الفراغ فخادم يتملق
وقد قال تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [ البقرة 187 ] وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال فإن فراش الرجل لباس له وكذلك لحاف المرأة لباس لها فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية وبه يحسن موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر.
وفيه وجه آخر وهو أنها تنعطف عليه أحيانا فتكون عليه كاللباس قال الشاعر
إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت فكانت عليه لباسا
وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة بل نوع الذكر والأنثى وفيه من المفاسد أن المني يتعسر خروجه كله فربما بقي في العضو منه فيتعفن ويفسد فيضر وأيضا: فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج وأيضا فإن الرحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضمامه عليه لتخليق الولد وأيضا: فإن المرأة مفعول بها طبعا وشرعا وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع.
وكان أهل الكتاب إنما يأتون النساء على جنوبهن على حرف ويقولون هو أيسر للمرأة.
وكانت قريش والأنصار تشرح النساء على أقفائهن فعابت اليهود عليهم ذلك فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [ البقرة 223 ].
وفي " الصحيحين " عن جابر قال كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وفي لفظ لمسلم إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد " والمجبية المنكبة على وجهها والصمام الواحد الفرج وهو موضع الحرث والولد. وإذا كان ابن القيم يكتب نصا في الثقافة الجنسية، فلا بد أن نعلق عليه ذلك أن ما كتبه الأقدمون قد أصبح ذا مرجعية شديدة بالنسبة للكثيرين منا خاصة إذا كان من كتبه هو الإمام "ابن القيم" والذي يحظى هو وأستاذه "ابن تيمية الحراني" بالقسط الأوفر من الاحترام والتبجيل من قبل القائمين على التثقيف الديني من أئمة المساجد، وناشري الكتب الدينية، وفي إطار ثقافة لا يشكل الفكر النقدي فيها نمطا شائعا في التفكير، ونلاحظ هنا الدور التربوي الذي اضطلع به "ابن قيم الجوزية" عندما تصدى لذلك الموضوع، وذلك غير مستغرب، فقد كان علماء الدين في ذلك الوقت هم قادة الحركة الثقافية في شتى المجالات، إذ كان الكثير منهم نماذج للعلم الموسوعي في إطار ثقافة لم تكن تؤمن بالتخصص، ولا بوضع حدود لما هو ديني وما هو دنيوي، ولكن "ابن القيم" مع ذلك لم يكن يمارس أسلمة المعارف بالمفهوم الذي يمارسه البعض اليوم، فهو لا يحاول أن يعثر على كل المعارف العلمية، والاجتماعية داخل القرآن إعمالا لتفسير مبتذل لقوله تعالى"ما فرطنا في الكتاب من شيء" فعندما أراد أن يبحث عن فوائد الجماع كان عليه أن يرجع إلى مرجع طبي، وهو جالينوس اليوناني المشرك دون أن يبحث عن إعجاز طبي في القرآن، أو يتكلف لآية تفسيرا يثبت به ما يريد إثباته مما كان يتصور أنه من حقائق الطب، ولم يذكر آية أو حديثا إلا وكان له موضع في الاستشهاد من وجهة نظره على الأقل، ولكن معظم ما كتبه خاصة في ذكر الأوضاع الجنسية المختلفة، وتفضيل بعضها على بعض ينطلق أساسا من مواقف ثقافية، وشخصية، فما استند إليه من شواهد الكتاب والسنة يفتقد إلى أي قوة من وجهة النظر الفقهية فآية "الرجال قوامون على النساء" موجودة داخل سياق لا يتحدث عن الجنس بالمرة بل عن ما أنفقه الرجال من أموالهم، وهو ما يعني أن تلك القوامة المذكورة لا تعني أي قوامة جنسية على الإطلاق، أما محاولة استغلال المجاز في قوله تعالى" هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" فهي أكثر ضعفا فما استخرجه منها من كون الرجل لحافا والمرأة لباسا لا يمكن أن يخرج على أي وجه إلا أن يتكلف تكلفا، بينما حديث "الولد للفراش" فلا يقصد بالفراش فيه غير سرير الزوجية، لا المرأة، وإلا كان نصا في نسبة الولد إلى أمه لا الزوج، أما جمع أبيات شعرية كالتي ذكرها مع آيات، وأحاديث في استدلال فقهي{لا لغوي} فليس من طرق الفقهاء ذلك أن الأشعار ليست دليلا فقهيا على الإطلاق، كما أن حديثه عن أن المرأة مفعول بها طبعا فهو مما يمكن أن يدور جدال حوله، ومفعول بها شرعا وهو ما لم يقدم دليل شرعي عليه، وربما كان "ابن القيم" واعيا لوهن أدلته فتجنب استخدام أي حكم شرعي لوصف ما حسنه، وما قبحه، فلم يستخدم كلمة سنة، أو مندوب لوصف الوضع المفضل لديه ولم يستخدم تعبير مكروه أو حرام لوصف ما اعتبره سيئا، والواقع إن خيارات "ابن القيم"
تنبع من اعتبارات ثقافية تاريخية تعتبر الذكر هو الكائن المهيمن في مجتمع ذكوري يرى اعتلاء المرأة الرجل أثناء الجنس رمزا لتسيدها عليه، هذه القيم التي كانت تسكن في عقل "ابن القيم" فتمنعه وهو المتأمل لكلام الله من ملاحظة أن آية "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم" أي كيف شئتم عامة في التخيير بين الأوضاع كلها، وهذا نموذج صارخ على تأثير العوامل التاريخية في إنتاج التفسيرات المختلفة للنصوص الدينية.
وقد يسأل البعض إذا كان هذا هو حال الأقدمين من العلماء في تقدير الجنس، والتسامح إزاء النصوص الجنسية فضلا عن إنتاجها، فكيف تغيرت الصورة إذن، وكيف سادت بين المحدثين هذه الحالة من التحفز تجاه الجنس، والخوف من التصريح بشأنه حتى أن درس الغسل في كتب التربية الإسلامية المصرية قد استحال مجموعة من الأحاجي التي لا يصل التلميذ معها إلى شيء؟
و الإجابة عندي أن ذلك قد ظهر تدريجيا كرد فعل لدخول القيم الغربية في مجال العلاقات بين الرجل والمرأة منذ بدايات القرن العشرين، فمنذ بداية هذا القرن ظهرت الدعوات لخروج النساء للدراسة والعمل، وظهرت الدعوات التي تؤيد السفور، وترى الاختلاط بين الرجال والنساء أمرا من طبائع الأمور، الأمر الذي رآه المحافظون، وعلى رأسهم المتدينون جرحا لمفهوم العفة الواجبة داخل المجتمع الإسلامي، ثم زاد الطين بلة أن رشحت داخل الفكر الاجتماعي في البلدان الإسلامية آثار من مناهج ترى العلاقات خارج أطر مؤسسة الزواج التقليدي نوع من الحرية الشخصية التي لا ينبغي على القوانين أن تشغل نفسها بمحاربتها، ثم بدأت الفنون الحديثة في الظهور مثل السينما والتلفزيون، وانتقل كثير مما كان في الأدب من صراحة إلى هذه الفنون، ولكنها صراحة مرئية لا متخيلة هذه المرة الأمر الذي يثير بالضرورة إشكاليات جديدة، والحقيقة أن هذه الدعوات قد لاقت استجابة كبيرة على الأقل في البداية سواء من قبل الحكومات المختلفة، أو من قبل القطاعات المنتسبة إلى التعليم المدني المستحدث، وقد اعتبر هذا تحديا كبيرا من قبل المؤسسات الدينية المحافظة التي رأت في كل ذلك تشويها ضخما لصورة المجتمع المألوف، وقد أنتج ذلك تحفزا كبيرا ضد هذه الحرية المستوردة، بكل مظاهرها، وقد امتد ذلك لكي يطال كل ما له علاقة بالجنس الذي اعتبر سلاحا خطيرا لتدمير المجتمع الإسلامي السوي كما يفهمه مفكري المؤسسات الإسلامية الرسمية، وغير الرسمية على السواء، وهكذا سمعنا تعابير لم تكن مستخدمة مثل الأدب الإسلامي إذ حاول البعض أن يستخرج قيم إسلامية ينبغي أن يلتزم بها النص الأدبي والعمل الفني بشكل عام مثل تلك التي حاول أن يحددها "محمد قطب" الشقيق الأصغر لسيد قطب في كتابه "معركة التقاليد"، كما صرح أحد المفكرين الدينيين بأن الإسلام يؤيد مبدأ التلميح لا التصريح عند الحديث عن الجنس ضاربا المثل بسورة يوسف كما وردت بالقرآن الكريم، وقد نسى أن القرآن وإن كان عملا أدبيا فهو عمل مقدس أيضا يقرأ في الصلاة، كما أنه عمل أدبي ذو غرض تعليمي وتوجيهي، ولا يهدف في الأساس إلى وصف المشاعر، وبالتالي فإن قياس أي عمل أدبي آخر به ليس دقيقا، وقد استخدم الرسول{ص} في بعض أحاديثه كما رويت ألفاظا أكثر صراحة لأنه لم يكن ينتج نصوصا مقدسة، وكما أصبحت بعض النصوص الأدبية متهمة، فقد ظهر تحفز من نوع جديد ضد جميع أنواع العلاقات بين الجنسين بالرغم أن التاريخ الإسلامي يذكر لنا أن نساء مسلمات شهيرات قد اختلطن بالرجال، فقد أحصى أصحاب التراجم عددا من شيخات "ابن حجر العسقلاني" الحافظ الشهير صاحب كتاب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، إن هؤلاء الشيخات لسن الوحيدات في تاريخ الإسلام، وإن كن قلة من النساء على مر التاريخ حاولن أن يخترقن الحاجز الذكوري على علوم الدين، ثلة قليلة من النساء يبدأن بالسيدة "عائشة" لكنهن لم يستطعن إحداث اختراق حقيقي وإن كان لهن شرف المحاولة، وخارج هذه الثلة كانت توجد ثلة أخرى من الملكات والأميرات والخاتونات اللائي حاولن أن تكن لهن كلمة في عالم الحكم والسياسة، وإن كان الطريق المتاح بالطبع هو من خلال علاقتهن بالأبناء أو الأزواج من الملوك والقادة، وفي الحياة الثقافية لا يستطيع المؤرخ لها في الأندلس أن يتجاهل مجلس الشاعرة الأميرة "ولادة بنت المستكفي" الذي ضم صفوة أدباء قرطبة في ذلك العصر وعلى رأسهم الشاعر الكبير "ابن زيدون" الذي ربطه الحب كذلك "ببنت المستكفي" عدد ليس بكبير إذن من النساء المذكورات في التاريخ الرسمي، والمتجاهلات من قبل قرائه المحدثين، وعدد أكبر قد تجاهله ذلك التاريخ يؤكد أن الحريم لم يكن قدرا مقدورا على جميع النساء المسلمات { وسوف نبحث ذلك بتفصيل أكبر فيما بعد }، وكما ظهر التحفز ضد الاختلاط ظهر أيضا ضد عواطف الحب الجنسي باعتبارها خروجا عن حدود الله، وظهر من يؤكد أن الحب الوحيد المقبول إسلاميا هو الحب في الله، وأن تعلق القلب بغير الله هو درب من الشرك، وهذا تهويم في وجه الحقيقة لأن الحب ليس نوعا واحدا، وقلب الإنسان قد يوفق بين أنواع عديدة من الحب، والآية تقول "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" فما أنكره الله ليس هو الحب لغيره، ولكن أن تحب غيره أكثر منه بحيث إذا تعارض ما يريده المحبوب الآخر مع ما أمر الله به كان الترجيح للمحبوب على الله ورسوله، وقد أفرد بعض علماء المسلمين فصولا وكتبا عن الحب لعل أهمها كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الظاهري.

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)